( أ ) سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم ، فإنه قد كان لهم حديث عجيب .
( ب ) وسلوه عن رجل طواف : طاف مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه .
( ج ) وسلوه عن الروح ما هي .
فإن أخبركم بذلك فاتبعوه ، وإن لم يخبركم ، فإنه رجل متقول ، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم .
فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا :
يا معشر قريش قد جئناكم بما يفصل ما بينكم وبين محمد : قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور ، فأخبراهم بها ، فجاؤوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فسألوه عما أمر أحبار يهود .
ويظهر أنهم ظنوا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سيردهم بتكرار دعوة الحق لهم كما فعل أول الأمر . ولكن خاب ظنهم . فقد أمهلهم ، ولم يردهم لأن ذلك مما يمكن أن تشمل معجزته الكبرى ، وهي القران الكريم ، . ولذا وعدهم بالإجابة إن أجلوه ، لأنه يتكلم من عند الله ، فلا علم له إلا من عند الله العلى القدير . فقال لهم : أخبركم غدا بما سألتم عنه ، ولم يستثن أي لم يعلق الإجابة على مشيئته الله .
انصرفوا عنه ومكث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خمس عشرة ليلة ، لا يحدث له في ذلك وحى ، ولا يأتيه جبريل ، حتى أرجف أهل مكة المكرمة وقالوا : وعدنا محمد غدا ، واليوم خمسة عشر قد أصبحنا فيها لا يخبرنا فيها بشيء مما سألناه ، وحتى أحزن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مكث الوحي عنه ، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة المكرمة ثم جاء جبريل .
لماذا تأخر الوحي هذه المدة ، ونجيب عن ذلك بجوابين :
أولهما : أنه لم يستثن عندما قرر أنه سيجيب غدا ، فلم يقل إن شاء الله تعالى :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
« 1 » .
وثانيهما : أن مجيء الإجابة بعد طول انتظارها ، وإرجافهم نحوها ، وإشاعتهم عجز محمد عليه الصلاة والسلام عن الإجابة ، تكون للإجابة فائدة أنها تكون أوقع ، إذ تكون في وقت الحاجة إليها ، فيكون فضل تمكين في النفس ، ويكون التحدي أشد تثبيتا في النفس وأقوى لتكذيبهم ورد كيدهم في نحرهم ، إذ يكونون قد تقاولوا في ذلك ، فيكون ردهم قد علمه كل من أشاعوا بين يديه عجز محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، فتكون دعوة التصديق للنبي عليه الصلاة والسلام .
هامش
( 1 ) سورة الكهف : 22 ، 23 .