بين عهدين
237 - كان إسلام حمزة ، ومن بعده إسلام عمر ابتداء عهد جديد للإسلام . كان المسلمون في الأول مستضعفين يرامون بالسوء ، ولا يدفعون السيئة بمثلها ولا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم ، ولا يرقب فيهم أعداؤهم ذماما ، ولا مراعاة لحسن جوار ، أو لمودة ، أو لقربى ، بل يسومونهم العذاب ، ويريدونهم على الهوان من غير أن يتوقعوا دفعا ، وذوو المروات من المشركين إن تابوا عن الأذى فلأنهم لا يريدون أن يرتكبوا نذلة في إيذاء عبد أو ضعيف ، أو من لا يملك ردا .
ولما أسلم حمزة ابتدأ كبير الأنذال فيهم أبو جهل يحس بالضربات تقمع رأسه ، وبالدم يسيل منه ، فإن تخفف له نصراء من قومه خشي من المعركة ، وأن يكون ابتداؤها هذا وهو يخاف نهايتها ، كشأن كل من يكون ناقص المروءة ، يستعدى على الضعفاء ، ويخاف الأقوياء .
فلما أسلم عمر ، كانت الكارثة على الشرك ، وتكامل كيان العهد الجديد ، عهد الاعتزاز بالإسلام . واستعلانه بعد استخفائه . ووقوف المسلمين صفوفا مجتمعين ، بعد أن كانوا فرادى متفرقين .
التقى عمر عند إسلامه في بيت الأرقم بن أبي الأرقم في الصفا ، وعدد المسلمين يقارب الأربعين ، فقام عمر رضي الله عنه ، فقال : يا رسول الله علام نخفى ديننا ونحن على الحق ، ويظهرون دينهم ، وهم على الباطل .
قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : إنا قليل وقد رأيت ما لقينا .
قال عمر : والذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه أنادى بالكفر ، إلا أظهرت فيه الإيمان ، ثم خرج فطاف بالبيت ، ثم مر بقريش ، وهي تنتظره ، وقد تسامعوا بإسلامه ، فقال أبو جهل :
يزعم فلان أنك صبوت ، فقال جاهرا : أشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، فوثب المشركون إليه يريدون أن يصرعوه ، وكان على رأسهم عتبة بن ربيعة الذي كان إلبا على المسلمين وكان قد صرع أبا بكر وضربه ، حتى أثخنه ، فكأنه كان طلبة عمر ، فوثب عمر عليه ، وصرعه ، وبرك عليه كما يبرك البكر الراغى وجعل يضربه ، وأدخل إصبعه في عينيه ، فجعل عتبة يصيح ، فتنحى الناس ، فقام عمر عنه ، فاشتفى للمسلمين عامة ولأبى بكر خاصة .