تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
يغشاها ، لا ينظر إلى كل ذلك على أنها مناظر جميلة ، وزينات باهرة ، بل ينظر في دلالتها على الخالق ، ولا ينظر إليها متعرفا سر الإضاءة في الشمس ، وإنما يتعرف منها سر الدلالة على المنشيء ، والأرض والماء والزرع ، والشجر والثمار . كل ذلك كان يستغرق تفكيره لا ليعلم كيف خلق ، ولكن ليعلم من الذي خلق ، وكلما أمعن بفكره تعرفا للخالق ، واستدلالا عليه ازداد إيمانا به ، وطلبا لرضوانه ، واطمئنانا لنفسه . اتجه إلى معرفة الخالق ، وما يرضيه عاكفا على ذلك عكوف العابد في صومعته ، لا يطلب إلا إرضاء ربه ، ولكنه لم يعلم ما يرضيه ، ولا ما يكون نسكا له إلا ما توارثه العرب من حج البيت ومناسكه التي بقيت من عصر إبراهيم عليه السلام ، ونزهت نفسه وقلبه ولسانه ، حتى صار ربانيا بفطرته المستقيمة وقلبه السليم . وكانت كل أعماله لإرضاء الله تعالى ، فهو يخالق الناس بخلق حسن ، لا يكذب ، ويتصدق ويقدم للناس الخير ، لأنهم عيال الله ، وقد صار كل شيء فيه لله تعالي ، وقد صار قلبه المعلق بالله تعالى الخاضع الخانع ، لا يرى في الوجود إلا الله تعالى ، ولا يحسب أنه إلا القانت له ، الخاضع ، ولكنه يجهل الشكل الذي يرتضيه لعبادته ، فصار كله لعبادته ، قلبا ولسانا وعملا وخلقا . وزهده في الاختلاط كان يريه من الناس إفكا من عبادتهم للأوثان ، ومن خمر يعاقرونها وميسر يلعبونه ، وخصومات يفجرون فيها ، وشحناء ليست من شأنه ، ومجادلات ليست من غايته ، وشعر يتبعه الغاوون ، والكبر الأثيم الذي لا إثم فوقه ، تقديسهم للأحجار ، واتجاههم إلى تقديسها بدل تقديس الديان ، كل هذا زهده في الاختلاط . ولذلك كان محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام قبل أن يبعث عزوفا عن أن يغشى مجالس قريش في سمرها ، أو ما يزجون به فراغهم ، إلا أن يكون جدا يوجب الخلق الكريم مشاركتهم فيه كما شاركهم في بناء الكعبة المكرمة ، وكما كان يحضر في ندوتهم إذا جد الجد ، وكما حضر حلف الفضول . والسبب في عزوفه عنهم أنه يبتعد عن مواضع يعزب فيها عن ذكر الله ويبتعد عن التفكير في ذاته تعالت عن الشبيه ، وتنزهت عن المثيل ، وأنه يريد أن ينصرف الفكر فيه ، والتفكير في ذاته وإرضائه ، خيرا من عبادة الحركات والمظاهر ، فكانت حياته كلها لله تعالى . ما كان يخرج من خلوته إلا لإسداء معروف ، أو إطعام مسكين ، أو إغاثة ملهوف ، أو لإقراء ضيف عز عليه إقراء ، وإن ذلك كله عبادة ، لأنه ما يقصد إلا وجه الله تعالى ، وإرضاءه لله تعالى ، وأي عبادة أعلى من ذلك شأنا .