تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
وكان في منطقه حلاوة ، فيخرج اللفظ من لسان واضح بين ، تخرج الحروف من مخرجها ، وتقع في مواضعها ، والسامع مشدوه من حلاوة الكلمة ، وحلاوة اللفظ ، والمعاني الأبكار ، في أسلوب لا توعر فيه ، ولا تكلف . ولقد قالت عائشة رضى الله تعالى عنها في وصف كلامه « ما كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يسرد الكلام كسردكم هذا « 1 » . ولكن كان يتكلم بكلام بين فصل يحفظه من جلس إليه » . فكان كلامه صلى الله تعالى عليه وسلم يكون بأناة ، غير مندفع في القول ، ولا متابع له في استعجال ، حتى إن عائشة رضى الله تعالى عنها تروى أن حديثه لو عد السامع حروفه عدا لأحصاها . وإن ذلك هو أفصح النطق ، وأبلغ الإلقاء ، ذلك لأن الإمهال في القول يجعل السامع يتذوق جمال الألفاظ ، ويتأمل المعاني ، ويستحفظ ما قال القائل ، ويتابعه في أفكاره من غير إعنات لنفسه ، ولا ملال ، وإن الملل يعترى السامع ، إذا فاته تتبع المعاني ، وإدراك المرامى والغايات . 131 - ومنطق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان خاليا من الفأفأة والتمتمة ، وكل عيوب الكلام في صوت هاديء عميق يجمله الصدق ويدخله في مداخل النفس ، ويوجه الرشد إلى الحق ، ونغمات صوته هادئه قوية في صوت غير أجش ، ولا جفوة ، ولكن التقى فيه عمق النغم الفطري بجمال الصوت ، وجهارته في غير ضجيج ولا صخب . ولقد روى أن الحسن بن علي أحد السبطين الكريمين قد سأل هند بن أبي هالة ربيب النبي عليه الصلاة والسلام من خديجة أم المؤمنين ، وكان هند رجلا وصافا ، سأله حب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : قلت صف لي منطقه ، قال : « كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، متواصل الأحزان ، دائم الفكر ليس له راحة ، ولا يتكلم في غير حاجة ، طويل السكوت ، يفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه « 2 » . ويتكلم بجوامع الكلم ، فضلا ، لا فضول فيه ، ولا تقصير ، دمثا ليس بالجافى ولا المهين . يعظم النعمة وإن دقت ، لا يذم شيئا ، لم يكن يذم ، ولا يمدحه ، ولا يقام لغضبه إذا تعرض أحد للحق بشئ حتى ينتصر له ، إذا أشار فبكفه كلها ، وإذا تعجب قلبها ، وإذا تحدث اتصل بها فضرب بإبهامه اليمنى راحته اليسري ، وإذا غضب أعرض وأشاح ، وإذا فرح غض طرفه ، جل ضحكه التبسم ، ويفتر عن مثل حب الغمام » .
هامش
( 1 ) السرد هو متابعة الكلام من غير تمهل ، بل على الولاء والاستعجال فلا يعطى السامع فرصة تذوق الألفاظ والمعاني . ( 2 ) أي يستعمل جميع فمه عند الكلام ، فلا يتكلم بطرف اللسان ، بل يقبل على القول إقبال المهتم به .