تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
وقد يقول قائل ، وكيف نثبت التكريم بالرؤيا وقد تكون أضغاث أحلام ، وهي لا تثبت شيئا ، فنقول في الإجابة عن هذا السؤال العارض ، إن الرؤيا الصادقة تشبه الإلهام أو كأنها وحى ، أو هي جزء من الوحي كما روى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « الرؤيا الصادقة جزء من أربعة وأربعين جزا من النبوة » وثبت في الصحاح أن أول ما جاءت به إرهاصات الوحي كانت الرؤيا الصادقة « فما كان يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح » . هذا ما تقوله الحقائق الدينية في الرؤيا الصادقة ، ويقول الذين يتكلمون في الأرواح في هذا الزمان أن الرؤيا الصادقة سبحات روحية في الملكوت الأعلى . وإنه بلا ريب هناك فرق ثابت بين الرؤيا الصادقة وأخلاط الأحلام التي تكون صورة لحال مادية أو عصبية للنائم ، كتخمة تصيبه من كثرة الطعام ، أو أن يكون مخمورا ، أو أن يكون مضطرب الأعصاب ، أو مضطرب النفس ، أو مشغولا بأمر من أمور المادة أو الشهوة ، فإن هذا يكون أخلاطا لا تخبر عن شيء ، ولا يصدق في شيء ، وهي التي تسمى أضغاث أحلام ، والتي لا يكون لها تأويل ، ولا يعبرها خبير . وإذا كان من الناس من ينكر الرؤيا الصادقة ، ويكذب الأحلام بإطلاق ، ويقول أنها صورة للعقل الباطن ، فذلك لأنه لا يمكن أن يدرك معنى الرؤيا الصادقة ، إذ لم يجربها ، لأن الله تعالى لم يؤته قوة روحية ولم يؤته طاقة نفسية يستطيع أن يتغلب بها على خواطر اللذات والشهوات وهو لا ينام إلا مخمورا ، أو مبطونا ، أو تكون نفسه واقعة في الأهواء والشهوات ، فيكون ليله كنهاره ، ونومه كصحوه ، وحياته كلها صورة للمادة في النوم واليقظة على سواء . 80 - وترى من هذا الكلام الذي سقناه من بشارات التكريم في منام أمه البتول الطاهرة الصبور أن تسميته محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، كان بأمر من الآتي الذي أتاها في هذه الرؤيا . وقد توافقت مع رؤيا أخرى رآها سيد قريش عبد المطلب الذي كان قد اشتهر بالنسك في قومه ، وإن لم يكن نسكا فيه حرمان ، بل نسك فيه ما يجمل بالمروءة ، وقد كان صادق الرؤيا ، قيل لعبد المطلب : لم سميته محمدا ؟ فقال شيخ قريش الطيب : « أنه رأى في منامه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء ، وطرف في الأرض ، وطرف في المشرق وطرف في المغرب ، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور ، وإذا أهل المشرق والمغرب يتعلقون بها » .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 101 | محمد ابو زهره