تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حكم النبي الأعظم ( ص ) — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
هامش
اللّيالي السابقة عليها أو اللاحقة . ثُمَّ بعدئذٍ يخرج شيئا فشيئا عن تحت الشعاع ، ويظهر مقدار منه من ناحية الشرق ويُرى بصورة هلال ضعيف ، وهذا هو معنى تكوُّن الهلال وتولُّده . فمتى كان جزء منه قابلًا للرؤية ولوبنحو الموجبة الجزئيَّة فقد انتهى به الشهر القديم ، وكان مبدأً لشهر قمري جديد . إذا فتكوُّن الهلال عبارة عن خروجه عن تحت الشعاع بمقدار يكون قابلًا للرؤية ولو في الجملة ، وهذا كما ترى أمر واقعي وحداني لا يختلف فيه بلد عن بلد ، ولا صقع عن صقع ؛ لأنَّه‌كما عرفت نسبة بين القمر والشمس لا بينه وبين الأرض ، فلا تأثير لاختلاف بقاعها في حدوث هذه الظاهرة الكونيَّة في جوِّ الفضاء . وعلى هذا فيكون حدوثها بدايةً لشهر قمري لجميع بقاع الأرض على اختلف مشارقها ومغاربها وإن لم يرَ الهلال في بعض مناطقها لمانع خارجي من شعاع الشمس ، أو حيلولة الجبال‌وما أشبه ذلك . أجل ، إنَّ هذا إنّما يتَّجه بالإضافة إلى الأقطار المشاركة لمحلِّ الرؤية في اللّيل ولو في جزء يسير منه بأن تكون ليلة واحدة ليلةً لهما وإن كانت أوَّل ليلة لأحدهما ، وآخر ليلة للآخرالمنطبق طبعا على النصف من الكرة الأرضيَّة دون النصف الآخر الّذي تشرق عليه الشمس عندما تغرب عندنا ، بداهة أنَّ الآن نهار عندهم فلا معنى للحكم بأنَّه أوَّل ليلة من الشهربالنسبة إليهم . ولعلَّه إلى ذلك يشير سبحانه وتعالى في قوله : " رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ " ( الرحمن : 17 ) باعتبار انقسام الأرض بلحاظ المواجهة مع الشمس وعدمها إلى نصفين ، لكلٍّ منهمامشرق ومغرب ، فحينما تشرق على أحد النصفين تغرب عن النصف الآخر وبالعكس ، فمن ثمَّ كان لها مشرقان ومغربان . والشاهد على ذلك قوله سبحانه : " يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ " ( الزخرف : 38 ) الظاهر في أنَّ هذا أكثر بعدا وأطول مسافةً بين نقطتي الأرض ، إحداهما مشرق لهذا النصف ، والأخرى مشرق للنصف الآخر . وعليه فإذا كان الهلال قابلًا للرؤية في أحد النصفين حُكم بأنَّ هذه اللّية أوَّل الشهر بالإضافة إلى سَكنة هذا النصف المشتركين في أنَّ هذه اللّيلة ليلة لهم ، وإن اختلفوا من حيث مبدأ اللّيلة ومنتهاها . . . إلى أن قال : فمقتضى هذه الروايات الموافقة للاعتبار عدم كون المدار على اتّحاد الأفق ، ولا نرى أيَّ مقتضٍ لحملها على ذلك ، إذ لم يذكر أيّ وجه لهذا التقييد عدا قياس أمر الهلال بأوقات‌الصلوات الّذي عرفت ضعفه ، وأنَّه مع الفارق الواضح بما لا مزيد عليه . ويؤكده ما ورد في دعاء صلاة يوم العيد من قوله عليه السلام : " أسألك بحقّ هذا اليوم الّذي جعلته للمسلمين عيدا " فإنَّه يعلم منه بوضوح أنَّ يوما واحدا شخصيّا يشار إليه بكلمة ( هذا ) هوعيد لجميع المسلمين المتشتِّتين في أرجاء المعمورة على اختلاف آفاقها ، لا لخصوص بلدٍ دون آخر . وهكذا الآية الشريفة الواردة في ليلة القدر وأنَّها خير من ألف شهر ، وفيها يفرق كلُّ أمرٍ حكيم ، فإنَّها ظاهرة في أنَّها ليلة واحدة معيَّنة ذات أحكام خاصَّة لكافَّة الناس وجميع أهل العالم ، لا أنَّ لكلِّ صقع وبقعة ليلة خاصّة مغايرة لبقعة أخرى من بقاع الأرض ( مستند العروة الوثقى " كتاب الصوم " : ج 2 ص 118 122 ) .