تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
كان أفاضل الملوك والخلفاء يستعملون هذه الخصلة كثيرا ، فلا يسرعون إلى قتل رجل معروف مشهور ، خوفا أن يحتاجوا إليه بعد ذلك ، فيتعذر عليهم بل كانوا يحبسونه في غوامض دورهم ، ويقيمون له كلّ ما يحتاج إليه من أطعمة شهيّة ، وفواكه وثلج وأشربة وفرش وثير ، ويحملون إليه كتبا يلهو بها ويقطعون خبره عن الناس ، حتى يثبت في نفوس أهله وأصحابه أنّه قد هلك ، ثمّ تستصفى أمواله وأموال أصحابه ، وتستخرج ذخائره وودائعه ، ويصير في عداد الموتى . فلا يزال كذلك ، حتّى تدعوهم الحاجة إليه فيخرجوه مكرما وقد تأدب وتهذّب .
من لم يؤدّبه والداه * أدّبه الليل والنّهار
( منسرح ) وهاهنا مزلّة ربما وقع فيها أفاضل الملوك ، وهي أن بعض الملوك ربّما كان معجبا بنفسه ، محبّا لأن ينتشر عنه حديث صرامة وشهامة ، وسياسة قاهرة . فيستهين بالقتل ويسهّل أمره ويبادر إليه . وغرضه إثبات الهيبة وإقامة السياسة ، من غير التفات إلى ما في طيّ ذلك من إزهاق النفس ، التي حرّمت إلا بالحق . وهذا من أخطر الأمور على الملك والصّواب ألا يزال في نفسه كارها للقتل ، صادفا عنه مهما أمكن ، حتّى تدعو إليه ضرورة ليس فيها حيلة ، فحينئذ يقدم عليه بنفس قوية وجنان ثابت . فإنّ قتل واحد أصلح من تركه حتى يحتاج إلى قتل خمسة ، وقتل خمسة خير من تركهم حتى يدبّ فسادهم حتى تبلغ الحاجة إلى قتل مائة ، ومن أجل ذلك قال الله تعالى : وَلَكُمْ في الْقِصاصِ حَياةٌ 2 : 179 [ 1 ] وقيل : القتل أنفى للقتل . قال الشاعر :
بسفك الدما يا جارتي تحقن الدّما * حتى يراق على جوانبه الدم [ 2 ]
( طويل )
هامش
[ 1 ] سورة البقرة ، الآية / 179 / . [ 2 ] صواب البيت . بسفك الدّما يا جارتي تحقن الدّما وبالقتل تنجو كلّ نفس من القتل انظر طبعة بيروت ص 43 ، ورحما ص 3 . وألما ص 53 .