تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
وقال المتنبي :
لا يسلم الشّرف الرفيع من الأذى * حتّى يراق على جوانبه الدّم
( كامل ) أوصى بعض الحكماء بعض الملوك قال : أيّها الملك ، إنّما هو سيفك ودرهمك فازرع بهذا من شكرك ، واحصد بهذا من كفرك . جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال له يا رسول الله خذ الحدّ مني . فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والتفت إلى يمينه ، فدار الرجل حتى حاذاه وأعاد القول فأعرض - عليه السلام - عنه مرة أخرى ، فعاود القول والتمس أخذ الحدّ منه فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم إزهاق نفسه ، والتفت إلى أهل الرجل وأصحابه كمن يعلّمهم الاعتذار عنه ، وقال : كأنه متغير في عقله - قالوا يا رسول الله ما نعرفه إلّا عاقلا . فحينئذ لم يبق للنبيّ صلى الله عليه وسلم - حيلة ، فأمر باستيفاء الحدّ منه . والمطامير الغامضة التخليد فيها يقوم مقام القتل ، مع الأمن من النّدم المخشيّ فيه . وأما أصناف العقوبات . فيجب على الملك الكامل أن ينعم النّظر فيها أيضا . فكم من عقوبة قد أتت على مهجة المعاقب ، من غير أن يراد إزهاق نفسه . وأصعب ما فيها التعذيب بالنار وهي عقوبة غير مباركة ، لأن العقوبة بالنار مختصّة باللّه - عزّ وجل - فلا يجوز للعبد أن يشاركه فيها . والنّظر في أصناف العقوبات موكل إلى نظر الملك الفاضل ، وبحسب ما يقتضيه الحال الحاضر ، ولكنّ الأصل الكلّي فيه ، أن يكون الملك في نفسه كارها لذلك غير متحلّ به ، لا يبادر إليه ولا يقدم عليه ، إلا إذا دعت إليه ضرورة ماسة لا يقضى فيها حقّ نفسه ، ولا يشقى بها غيظ صدره . وهذا مقام صعب لا يرتقي إليه أحد ، إلا من أخذ التوفيق بيده - قيل - إنّ عليا عليه السلام - صرع في بعض حروبه رجلا ، ثم قعد على صدره ليحتزّ رأسه ، فبصق ذلك الرّجل في وجهه ، فقام علي - عليه السلام - وتركه . فلما سئل عن سبب قيامه وتركه قتل الرجل ، بعد التمكن منه ، قال : إنه لما بصق في وجهي اغتظت منه فخفت إن قتلته أن يكون للغضب والغيظ نصيب في قتله . وما كنت أن أقتله إلا خالصا لوجه الله تعالى .
الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 49 | محمد بن علي بن طباطبا ( ابن الطقطقي ) / عبد القادر محمد مايو