تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
ومما يكمل فضيلة الملك : أن تكون قوّة الاختيار عنده سليمة لم تعترضها آفة فيكون يختار الرجال اختيارا فاضلا ، كان الناصر [ 1 ] آية الدنيا في اختيار الرجال فكان من توصّلاته إلى معرفة الرّجل إن أشكل عليه ، أن يشيع بين الناس أنّه يريد أن يوليه المنصب الفلانيّ ، ثم يتمادى في إبرام ذلك أيّاما ، فيمتلئ البلد بالأراجيف ، لذلك الرجل فيفترق فيه الناس : فقوم يصوّبون ذلك الرأي ويصفون فضائل الرجل ، وقوم يغلّطون الخليفة ويذكرون عيوب الرجل ، وللخليفة عيون وأصحاب أخبار لا يؤبه لهم ، يخالطون أصناف الناس ، فيكتب أصحاب الأخبار إليه بما الناس فيه من الغليان في ذلك ، فيعرف بصحّة نظره وتمييزه أيّ القولين أرجح وأصوب ، فإن رجح في نظره تفضيل الرجل ، ولّاه وخلع عليه ، وإن ترجّح عنده قول الطاعنين عليه وتبيّن له نقصه ، تركه وأعرض عنه وفي الجملة فحسن الاختيار أصل عظيم ، قال الشاعر :
من كان راعيه ذئبا في حلوبته [ 2 ] * فهو الّذي نفسه في أمره ظلما يرجو كفايته والغدر عادته * ومن يرد خائنا يستشعر النّدما
( بسيط ) ومما يكره للملوك : المبالغة في الميل إلى النساء ، والانهماك في محبّتهنّ ، فأمّا مشاورتهنّ في الأمور : فمجلبة للعجز ، ومدعاة إلى الفساد ، ومنبهة [ 3 ] على ضعف الرّأي اللّهمّ إلا أن تكون مشاورتهن يراد بها مخالفتهن ، كما قال - عليه السلام - : « شاوروهنّ وخالفوهن » وفي هذا الحديث سؤال وجواب . إن قال قائل : إذا كان المراد مخالفتهن في آرائهن فأي فائدة في الأمر بمشاورتهن وقد كان يكفي في هذا أن يقال خالفوهن فيما يشرن به ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما : أن الأمر الأول للإباحة ، والأمر الثاني للوجوب . يعني إذا شاورتموهن فخالفوهن . والآخر : أن الصواب لا يزال في خلاف آرائهن ، فإذا أشكل
هامش
[ 1 ] الناصر : أبو العباس أحمد بن المستضيء . تولى الخلافة العباسية في بغداد / 575 - 622 / . [ 2 ] الحلوبة : الأغنام والأنعام التي تحلب ، وقد استعارها الشاعر للرعايا من البشر . [ 3 ] منبهة : دليل .