تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
وكذلك لا ينبغي أن يحبس من يكفي في تأديبه التّهديد ، كما أنه لا ينبغي أن يضرب من يكفي في تأديبه الحبس ، ولا أن يقتل بالسيف من يكفي في تأديبه ضرب العصا وتمييز هذه الحالات ، بعضها من بعض أعني معرفة المزاج الّذي يكفي فيه التهديد ولا يحتاج إلى الحبس . أو يكفي فيه الحبس ولا يحتاج إلى الضّرب - يحتاج إلى لطف حدس وصحّة تمييز وصفاء خاطر ويقظة تامّة وفطانة كاملة . فما أشدّ ما تتشابه الأخلاق . وتلتبس الأمزجة والطّباع . ويجب على الملك أن ينظر في أمر القتل وإزهاق النفس ، فيعلم أنّه الحادث الّذي لا حياة للحيوان بعده في الدنيا ، وأنه لو اجتهد أهل الأرض كلّهم على إعادته إلى الحياة لم يقدروا على ذلك . وبحسب هذا الحال ، يجب أن يكون تثبّته في إزهاق النّفس وهدم الصّورة وتأنيّه وتروّيه ، حتى تقوم الأدلّة على وجوب القتل ، فإذا وجب استعمله على الوضع المعهود ، من غير تأنّق فيه وتنوّع غريب ، وتمثيل بالمقتول . ورد عن سيد البشر - صلوات الله عليه وسلامه - : « إياكم والمثلة [ 1 ] ولو بالكلب العقور [ 2 ] » . لما ضرب ابن ملجم - لعنه الله - عليّ بن أبي طالب بالسيف قبض ابن ملجم وحبس حتّى ينظر ما يكون من أمر عليّ - عليه السلام - فجمع عليّ ولده وخاصّته وقال : يا بني عبد المطّلب - لا تجتمعوا من كلّ صوب تقولون قتل أمير المؤمنين لا تمثّلوا [ 3 ] بالرجل ، فإنّي سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن المثلة ولو بالكلب العقور . وانظروا إذا أنا متّ من ضربي ، فاضربوا الرجل ضربة بضربة [ 4 ] . ومن فوائد التأني والتثبّت في القتل . الأمن من النّدم حين لا يجدي النّدم .
هامش
[ 1 ] المثلة : القتل مع التنكيل وتشويه الجثّة . [ 2 ] الكلب العقور : الهائج للعضّ . [ 3 ] لا تمثّلوا بالرّجل : لا تقتلوه قتلة المتشفّي مع التنكيل . [ 4 ] ذكر واقعة اغتيال الإمام عليّ وارد في موضع لاحق .