تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
الأحمق على أعراض الناس وأموالهم ، وإدخاله في المملكة حتى كاد أن يوّلي الوزراء ويعزلهم ، قبيح من المستعصم ودليل على جهله ، وإلّا فإن كان مراده الإحسان إليه مكافأة له على سابق خدمته ، فقد كان يحب أن يكون ذلك بمال يعطاه أو برفع منزلة لا يختلّ بسببها أمر في المملكة ولا يتطرّق بها قدح في عقل الخليفة ، وكان نظر جمال الدين في هذا المعنى أدقّ من نظري ، والحقّ في جانبه - رحمه الله - وكانت هذه المفاوضة بيني وبينه في كتاب كتبته فيه اقتضى الحال ذكر هذه القضية وكتب هو الجواب عنه ، وأعاد كتابي إليّ لأني التمست منه إعادة كتابي ، والكتابان هما في هذا التاريخ عندي بخطّي وخطّه رحمه الله . وممّا يليق بالملك ويكمل فضله : أن يكون عالي الهمّة رحيب الصّدر محبّا للرئاسة معدا لها أسبابها ، طامح البصر إليها معملا فكره في توسيع مملكته وعلوّ درجته ، غير مخلد إلى التنعّم ولا جانح إلى الترف ، ولا منهمك في اللّذات . قال بعض حكماء الفرس : همم النّاس صغار ، وهمم الملوك كبار . وألباب الملوك مشغولة بكلّ شيء عظيم وألباب السّوقة [ 1 ] مشغولة بأيسر الأشياء . وليعلم الملك أن الرئاسة عروس مهورها الأنفس . نظر معاوية إلى عسكر أمير المؤمنين علي - عليه السلام - في صفّين [ 2 ] فالتفت إلى عمرو بن العاص وقال : من يطلب عظيما يخاطر بعظيم . وإني نظرت فيما أحاول فإذا الموت في طلب العزّ ، أحسن عاقبة من الحياة مع الذلّ ، قال بعض الشعراء :
هي النفس إن ماتت فقد مات قبلها * كرام وإن تسلم فللحدثان إذا النّفس لم تشره إلى طلب العلا * فتلك من الأموات في الحيوان
( طويل ) ومن الغاية في المعنى قول امرئ القيس :
ولو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة * كفاني - ولم أطلب - قليل من المال ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل * وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
هامش
[ 1 ] السّوقة : عوّام الناس ، نقيض الملوك والخواصّ . [ 2 ] صفّين : موقع وشريعة ماء جرت فيه المعركة المشهورة بين أنصار عليّ بن أبي طالب ، وأنصار معاوية بن أبي سفيان وانتهت المعركة إلى التحكيم عام / 37 / ه .
الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 44 | محمد بن علي بن طباطبا ( ابن الطقطقي ) / عبد القادر محمد مايو