الصّدور [ 1 ] الحاضرين ، وسأل الرّجل عن حوائجه وحوائج زوجته فقضاها ، وقال للحاضرين : هذا كان جاري في قريتي وشريكي في زريع [ 2 ] وأعرف منه الأمانة .
ومن حيله أنّه كان ببعض بلاد العجم رجل كلّما أقيمت الخطبة يوم الجمعة في الجامع يقوم ويذمّ الخليفة ، ويدعو للسّلطان ، فاتّصل ذلك بالوزير ابن هبيرة ، فأحضر شخصا من أهل بغداد وأمره أن يسافر إلى تلك البلدة ، وأعطاه عشرة دنانير ذهبا وقارورة [ 3 ] فيها خطر [ 4 ] ، وقال له : إذا دخلت ذلك البلد ، وحضرت يوم الجمعة في الجامع ، ورأيت الرّجل الّذي يسبّ الخليفة فانهض إليه ، وأنت على زيّ التّجار وأمن على كلامه ، وأظهر البكاء عند مسبّة الخليفة ، وقل : إي والله ، فعل الله به وصنع وهل غرّبني عن عيالي ووطني وأفقرني غيره ، ثمّ افعل في الجمعة الثانية كذلك ، وقل له : قد حلفت أني أملأ فمك دنانير ، وضع هذه الدنانير حشو فمه وأخرج عنه وبادر إلى استعمال هذا الخطر على وجهك ولحيتك ، فإنه يحدث في الوجه سمرة ، وفي شيب للحية سوادا ، وغيّر زيّك حتّى لا تعرف فتهلك ، ففعل الرّجل ذلك ، وكانت الدّنانير مسمومة ، فلما راح ذلك الرّجل إلى بيته ما زال يتقلقل حتّى مات من يومه ، واستعمل الرّجل المنفّذ الصّبغ ، فأخفى نفسه ورجع إلى بغداد ومن حيله أنّه كان يكتب إلى ملوك الأطراف ملطفات [ 5 ] صغارا في رقّ خفيف ويشقّ في جلد ساق الرّكابي بمقدار ما يدخلها فيه ثم يتركه حتى يلتحم ويسيّره إلى حيث أراد ، ومن قوّة جأشه وثباته ، أنه كان يوما جالسا بالديوان وبين يديه الأمراء والصّدور والأكابر ، فسقطت من السقف حيّة كبيرة ، فوقعت على كتف الوزير وسرحت من كتفه إلى حجره ، فنفر كلّ من كان هناك من أرباب الدولة عن مستقرّه وانزعجوا عن مراتبهم ، والوزير جالس لم يتحرّك عن مكانه ولا تغيّر عن
هامش
[ 1 ] الصّدور : هنا ، السادة والأعيان . الحشم .
[ 2 ] الزّريع : الزرع المسقي بالمطر .
[ 3 ] القارورة : إناء يجعل فيه العطر أو الشراب كالقنّينة .
[ 4 ] الخطر : نبت يختضب به . الخضاب أو الصّبغ .
[ 5 ] ملطفات : ملصقات رقيقة .