تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣

شرح حال الوزارة في أيّامه

لمّا بويع بالخلافة أقرّ جعفر بن محمود الإسكافيّ على وزارته ، ثم عزله واستوزر سليمان بن وهب .

وزارة سليمان بن وهب بن سعيد للمهتدي

هم من قرية من أعمال واسط ، وكانت لهم كفاية ، وكانوا نصارى ثمّ أسلموا وخدموا في الدّواوين حتّى آلت بهم الحال إلى ما آلت . كان أبو أيّوب سليمان بن وهب أحد كتّاب الدّنيا ورؤسائها فضلا وأدبا وكتابة في الدّرج والدّستور ، وأحد عقلاء العالم وذوي الرأي منهم . حدّث ابنه عبيد الله قال : حدّثني أبي قال : كان مبدأ سعادتي أنّي كنت وأنا صبيّ بين يدي محمّد بن يزداد وزير المأمون ، وكنّا جماعة من الصّبيان بين يديه ، إذا راح في الليل إلى داره وبات واحد منّا في دار المأمون بالنّوبة ، لمهم عساه يعرض في الليل قال : فكانت ليلة نوبتي ، فخرج خادم وقال : ها هنا أحد من نوّاب محمّد بن يزداد ؟ فقال الحاجب له : نعم ، ها هو ذا ، فأدخلني إلى المأمون ، فقال لي : اعمل نسخة في المعنى الفلاني ، ووسع بين سطورها وأحضرها لأصلح منها ما أريد إصلاحه ، قال : فخرجت سريعا وكتبت الكتاب بغير نسخة ، وبيّضته وأحضرته إليه ، فلما رآني قال : كتبت النّسخة ؟ قلت : بل كتبت الكتاب ، فقال : بيّضته ؟ قلت : نعم ، فزاد في نظره إليّ كالمتعجّب مني ، فلمّا قرأه تبيّنت الاستحسان على وجهه ، ورفع رأسه إليّ وقال : ما أحسن ما كتبت يا صبيّ ! ولكن أريد أن تقدّم هذا السطر وتؤخّر هذا السطر ، وخطّ عليهما بقلمه ، فأخذت الكتاب وخرجت وجلست ناحية ثم محوت السّطرين وعملت ما أراد ، وجئته بالكتاب ، وكان قد ظنّ أنّي أبطله وأكتب غيره ، فلما قرأه لم يعرف موضع المحو فاستحسنه وقال : يا صبيّ : لا أدري من أيّ شيء أعجب - ! أمن جودة محوك أم من سرعة فهمك ، أم من حسن خطّك ، أم من سرعتك ! بارك الله فيك ! فقبّلت يده وخرجت ،