تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
وكان ذلك أوّل علوّ منزلتي ، وصار المأمون لا يجري مهمّ إلا قال : هاتوا سليمان ابن وهب ، ولما جرت له هذه القضيّة كتب إليه بعض الشّعراء :
أبوك كلّفك الشّأو البعيد كما * قدما تكلّفه وهب أبو حسن فلست تحمد إن أدركت غايته * ولست تعذر مسبوقا فلا تهن
( بسيط ) حدّث أحمد بن المدبر قال : كنّا في حبس الواثق أنا وسليمان بن وهب وأحمد بن إسرائيل ، مطالبين بالأموال ، فقال لنا سليمان بن وهب يوما : قد رأيت في المنام كأنّ قائلا يقول لي : يموت الواثق بعد شهر ، فاستغاث أحمد بن إسرائيل وقال له : والله لا تزال حتّى تسفك دماؤنا ! وخاف أشدّ خوف أن يشيع هذا الحديث عنّا ، قال ابن المدبر : فعددت من ذلك اليوم ثلاثين يوما ، فلمّا كان يوم ثلاثين قال لي أحمد بن إسرائيل : أين مصداق القول وصحّة المنام ؟ وكان قد حصر التاريخ وحسب ونحن لا نعلم ، فقال له سليمان بن وهب : الرؤيا تصدق وتكذب ، فلما كانت العشاء الآخرة إذ طرق علينا الباب طرقا شديدا وصائح يصيح : البشارة البشارة ، مات الواثق ، فأخرجوا أين شئتم ، فضحك أحمد بن إسرائيل وقال : قوموا فقد تحقّقت الرؤيا وجاء الفرج فقال سليمان بن وهب : كيف نقدر أن نمشي مشاة ومنازلنا بعيدة ، ولكن نبعث فنحضر دوابّ نركبها ، فاغتاظ أحمد بن إسرائيل وقويت السوداء عليه ، وكان شكس الأخلاق وقال له : ويحك يا سليمان ! تنتظر مجيء فرسك حتّى يتولّى خليفة آخر فيقال له : في الحبس جماعة من الكتّاب ، فيقول : يتركون على حالهم حتى ننظر في أمورهم ، فنلبث في الحبوس زيادة على هذا ، ويكون سبب ذلك توجّهك راكبا إلى منزلك يا فاعل يا صانع ! فضحكنا وخرجنا مشاة في الليل ، واجمع رأينا على أن نستتر عند بعض أصحابنا حتّى تتحقّق الأخبار فوالله لقد رأينا في طريقنا رجلين يقول أحدهما للآخر : إنّ هذا الخليفة الجديد قد عرف أحوال المحبّسين من الكتّاب وأصحاب الجرائم فقال : لا يفرج عن أحد حتّى انظر في حاله ، فتخفّينا إلى أن أمّننا الله تعالى في أسرع وقت وله الحمد ، ومن شعره :