تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧

شرح أحوال الدّولة البرمكيّة وذكر مبدئها ومآلها

كانوا قديما على دين المجوس ، ثمّ أسلم من أسلم منهم وحسن إسلامهم ، وقد ذكرنا وزارة جدّهم خالد بن برمك في أيام المنصور ، ونذكر ها هنا وزارة الباقين وقبل الخوض في ذلك ، فهذه كلمات تعرف منها نبذة من أحوال هذه الدولة . اعلم أنّ هذه الدولة كانت غرّة في جبهة الدّهر ، وتاجا على مفرق العصر ضربت بمكارمها الأمثال ، ومنحتها أوفر إسعادها ، فكان يحيى وبنوه كالنّجوم زاهرة والبحور زاخرة ، والسّيول دافعة ، والغيوث ماطرة ، أسواق الآداب عندهم نافقة ومراتب ذوي الحرمات عندهم عالية والدنيا في أيامهم عامرة وأبهة المملكة ظاهرة ، وهم ملجأ اللّهف [ 1 ] ، ومعتصم الطّريد [ 2 ] ولهم يقول أبو نواس :
سلام على الدنيا إذا ما فقدتم * بني برمك من رائحين وغاد
( طويل )

ذكر وزارة يحيى بن خالد للرّشيد

لما جلس الرشيد على سرير المملكة ، استوزر يحيى بن خالد بن برمك ، وكان كاتبه ونائبة ووزيره قبل الخلافة ، فنهض يحيى بن خالد بأعباء الدولة أتمّ نهوض ، وسدّ الثغور وتدارك الخلل ، وجبى الأموال وعمّر الأطراف ، وأظهر رونق الخلافة ، وتصدّى لمهمّات المملكة ، وكان كاتبا بليغا ، لبيبا أديبا سديدا ، صائب الآراء حسن التدبير ضابطا لما تحت يده قويّا على الأمور ، جوادا يباري الريح كرما وجودا ، ممدّحا بكلّ لسان ، حليما عفيفا وقورا مهيبا ، وله يقول القائل :
لا تراني مصافحا كفّ يحيى * إنّني إن فعلت ضيّعت مالي لو يمسّ البخيل راحة يحيى * لسخت نفسه ببذل النّوال
ومن آراء يحيى السّديدة ، ما قاله للهادي وقد عزم على أن يخلع أخاه هارون من الخلافة ويبايع لابنه جعفر بن الهادي - وكان يحيى كاتب الرشيد وهو يترجّى أن يتولّى هارون الخلافة فيصير هو وزير الدولة - فخلا الهادي بيحيى
هامش
[ 1 ] اللّهف : الملهوف ، المضطر إلى العون والمساعدة . [ 2 ] الطّريد : الملاحق الخائف .
الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 197 | محمد بن علي بن طباطبا ( ابن الطقطقي ) / عبد القادر محمد مايو