تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
ووهب له عشرين ألف دينار وحادثة في خلع هارون أخيه والمبايعة لجعفر ابنه ، فقال له يحيى : « يا أمير المؤمنين ، إن فعلت حملت الناس على نكث الأيمان [ 1 ] ونقض العهود ، وتجرّأ الناس على مثل ذلك ولو تركت أخاك هارون على ولاية العهد ، ثمّ بايعت لجعفر بعده ، كان ذلك أوكد في بيعته ، فترك الهادي الأمر مدة ثم غلب عليه حبّ الولد ، فأحضر يحيى مرّة ثانية وفاوضه في ذلك ، فقال له يحيى : يا أمير المؤمنين ، لو حدث بك حادث الموت ، وقد خلعت أخاك وبايعت لابنك جعفر وهو صغير دون البلوغ - أفترى كانت خلافته تصحّ ، وكان مشايخ بني هاشم يرضون ذلك ويسلّمون الخلافة إليه ؟ قال : لا ، قال يحيى : فدع هذا الأمر حتى يأتيه عفوا ، ولو لم يكن المهديّ بايع لهارون لوجب أن تبايع أنت له لئلا تخرج الخلافة من بني أبيك ، فصوّب الهادي رأيه ، وكان الرشيد بعد ذلك يرى هذه من أعظم أيادي يحيى بن خالد عنده . ومن مكارمه : قيل : إنّ الرشيد لمّا نكب البرامكة واستأصل شأفتهم ، حرّم على الشعراء أن يرثوهم ، وأمر بالمؤاخذة على ذلك ، فاجتاز بعض الحرّاس ببعض الخربات فرأى إنسانا واقفا ، وفي يده رقعة فيها شعر يتضمّن رثاء البرامكة ، وهو ينشد ويبكي فأخذه الحرس فأتي به إلى الرّشيد وقصّ عليه الصّورة ، فاستحضره الرشيد وسأله عن ذلك فاعترف به ، فقال له الرشيد ، أما سمعت تحريمي لرثائهم ؟ لأفعلنّ بك ولأصنعنّ فقال : يا أمير المؤمنين ، إن أذنت لي في حكاية حالي حكيتها ، ثمّ بعد ذلك أنت ورأيك قال : قل ، قال : إنّي كنت من أصغر كتّاب يحيى بن خالد وأرقّهم حالا ، فقال لي يوما : أريد أن تضيفني في دارك يوما ، فقلت : يا مولانا أنا دون ذلك ، وداري لا تصلح لهذا ، قال : لا بدّ من ذلك ، قلت : فإن كان لا بدّ فأمهلني مدة حتّى أصلح شأني ومنزلي ، ثمّ بعد ذلك أنت ورأيك ، قال : كم أمهلك ؟ قلت : سنة ، قال : كثير قلت فشهورا ، قال : نعم فمضيت وشرعت في إصلاح المنزل وتهيئة أسباب الدعوة فلما تهيأت الأسباب أعلمت الوزير بذلك ، فقال : نحن
هامش
[ 1 ] نكث الأيمان : نقض البيعة ، وإخلاف اليمين والعهد .