فقبل قوله وبنى الرّصافة . وتمّت الرّصافة وصار الخلفاء بعد ذلك يدفنون موتاهم بها وبنوا بها التّرب الجليلة وحملوا إليها من الفرش العظيم والآلات الجليلة ما يتجاوز الحصر ووقفوا عليها من النّواحي والأقرحة [ 1 ] والعقارات جملة كثيرة وكانت في أيّامهم حرما إذا لجأ إليها الخائف أمن .
ومات المنصور محرما بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة ؟ فكتم الرّبيع [ 2 ] أمره لأجل البيعة للمهديّ . فيقال إنه أجلسه وسنده وجعل على وجهه كلّة خفيفة ، يرى وجهه منها ولا يفهم أمره . وأذن لوجوه بني هاشم ، فلمّا دخلوا ووقفوا بين يديه وهم يحسبون أنّه حيّ تقدّم الربيع إليه كأنه يشاوره ثمّ عاد إليهم ، وقال : أمير المؤمنين يأمركم بتجديد البيعة للمهديّ ، فبايع الناس طرّا [ 3 ] .
وقيل : إنّ المهديّ لما بلغه ذلك استخفّ بالرّبيع وقال : ما منعتك هيبة أمير المؤمنين من هذا الفعل به .
شرح حال الوزارة في أيّامه
لم تكن الوزارة في أيّامه طائلة ، لاستبداده واستغنائه برأيه وكفاءته ، مع أنّه كان يشاور في الأمر دائما . وإنّما كانت هيبته تصغر لها هيبة الوزارة ، وكانوا لا يزالون على وجل منه وخوف ، فلا يظهر لهم أبّهة ولا رونق .
وزارة أبي أيّوب الموريانيّ للمنصور
موريان قرية من قرى الأهواز [ 4 ] . كان المنصور قد اشتراه صبيّا قبل
هامش
[ 1 ] الأقرحة : الآبار .
[ 2 ] الربيع : هو أبو الفضل الربيع بن يونس بن محمّد . وزر للمنصور حتى وفاته وقتله الخليفة الهادي بالسمّ عام / 170 / ه .
[ 3 ] طرّا : جميعا .
[ 4 ] الأهواز : مقاطعة جنوب غرب إيران ، وشمال الخليج العربيّ .