عسكر المنصور ودخلوا خلف الجمال فوضعوا فيهم السّيوف وأبادوهم قتلا . وكان عدّة القتلى نحوا من ستين ألفا . وقد دلّ الاستقراء على أنّ من اخترع دولة وأحدثها لم يستمتع بها في أغلب الأحوال . قال صلوات الله عليه : « لا تتمنّوا الدّول فتحرموها » وكأنّ المخترع للدولة يكون عنده من الدالّة [ 1 ] والتبسّط ما تأنف من احتماله نفوس الملوك . فكلما زاد تبسّطه زادت الأنفة عندهم حتّى يوقعوا به .
والمنصور خلع ابن أخيه عيسى بن موسى من ولاية العهد وجعلها في ابنه محمّد المهديّ .
شرح كيفيّة الحال في ذلك
هو عيسى بن موسى بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس أمير الكوفة وهو ابن أخي المنصور . كان عيسى بن موسى قد جعله إبراهيم الإمام وليّ عهد بعد المنصور ، وأخذ له البيعة على الناس وحلّفهم له ، فلما كبر المهديّ بن المنصور شغف المنصور به شغفا شديدا ، فأحبّ أن يبايع له بالخلافة ، فخلع عيسى بن موسى وأشهد عليه بالخلع ، وبايع للمهديّ وجعل عيسى بن موسى بعده .
شرح كيفيّة خلع عيسى بن موسى
قد اختلف أرباب السّير في كيفيّة خلعه . فقيل : إنّ المنصور التمس منه ذلك وكان يكرمه ويجلسه عن يمينه ، ويجلس المهديّ عن يساره . فلمّا فاوضه المنصور في خلع نفسه قال : يا أمير المؤمنين : كيف أصنع بالأيمان [ 2 ] التي في رقبتي في رقاب الناس بالعتاق والطلاق ؟ والحجّ والصّدقة ؟ ليس إلى الخلع سبيل . فتغيّر
هامش
[ 1 ] الدالّة : إظهار المكانة . التعالي .
[ 2 ] الأيمان : جمع يمين وهو القسم والعهد .