تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
الخليفة ذلك قبل الملك الأرض بين يديه ، ومشى في ركابه راجلا ، والغاشية [ 1 ] تحت إبطه ، كما فعل مسعود السّلطان مع المسترشد فإنّ المسترشد وقعت بينه وبين مسعود منابذة أدّت إلى محاربة ، فخرج المسترشد بعسكر كثيف وصحبته جميع أرباب الدّولة ، فالتقى هو والسلطان مسعود [ 2 ] بظاهر مراغة فاقتتلوا ساعة ، ثمّ انكشف الغبار وقد انهزم أصحاب المسترشد ، واستولى عسكر مسعود ، فانجلى الغبار والخليفة ثابت على ظهر فرسه ، وفي يده المصحف وحواليه القرّاء والقضاة والوزراء لم ينهزم أحد منهم ، وإنّما انهزم المقاتلون . فلما نظر السّلطان مسعود إليهم ، أرسل من قاد دابّة الخليفة وأدخله إلى خيمة قد نصبت له وأخذ أرباب دولته فحبسهم في قلعة قريبة من تلك النواحي ، ثم غنموا جميع ما كان في عسكر الخليفة . وبعد أيّام اجتمع السلطان بالخليفة وعاتبه على فعله ، ثم تقرّر بينهم أمر الصلح فاصطلحا ، وركب الخليفة إلى مخيم عظيم ضربه لأجله السّلطان . فلما ركب الخليفة أخذ السّلطان مسعود الغاشية ومشى في ركابه ، ثم جرى من قتل المسترشد ما نذكره بعد هذا . فهذه الدول جميعها طرأت على دولة بني العبّاس ، ولم تقو نفس أحد على إزالة ملكهم ومحو آثارهم . وكانت لهم في نفوس الناس منزلة لا تدانيها منزلة أحد آخر من العالم ، حتى إنّ السلطان « هولاكو » لما فتح بغداد ، وأراد قتل الخليفة أبي أحمد عبد الله المستعصم - ألقوا إلى سمعه أنه متى قتل الخليفة اختلّ نظام العالم واحتجبت الشّمس وامتنع القطر والنبات . فاستشعر لذلك ، ثمّ سأل بعض العلماء في حقيقة الحال عن ذلك فذكر ذلك العالم له الحقّ في هذا ، وقال : إنّ عليّ ابن أبي طالب كان خيرا من هذا الخليفة بإجماع العالم ، ثم قتل ولم تجر هذه المحذورات ، وكذلك الحسين . وكذلك أجداد هذا الخليفة ، قتلوا وجرى عليهم كلّ مكروه ، وما احتجبت الشمس ولا امتنع القطر فحين سمع زال ما كان قد حصل في
هامش
[ 1 ] الغاشية : الزوّار والحاشية . [ 2 ] مسعود : هو مسعود بن محمد السلجوقي خلع الخليفة العباسي المسترشد / 529 / ه وعبث بالحكم في بغداد حتى تولى المقتفي / 530 / ه .
الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 139 | محمد بن علي بن طباطبا ( ابن الطقطقي ) / عبد القادر محمد مايو