تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
إلى ذلك ما ارتكبه من إغضاب أكابر أهله ، والإساءة إليهم وتنفيرهم . فاجتمعوا عليه مع أعيان رعيّته وهجموا عليه وقتلوه وكان المتولّي لذلك يزيد بن الوليد بن عبد الملك ، وذلك في سنة ستّ وعشرين ومائة .

ثمّ ملك بعده يزيد بن الوليد بن عبد الملك

كان يظهر التنسّك ، وكان يقال : إنّه قدريّ . وسمّي : « النّاقص » لأنه نقص من أعطيات أهل الحجاز ما كان قد زادهم الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، فسمّي الناقص لهذا السبب ، ولما بويع بالخلافة خطب الناس ، وقال لهم كلاما حسنا أنا مثبته ها هنا لحسنه . خطبهم وذكر الوليد بن يزيد وإلحاده ، وقال : سيرته كانت خبيثة كان منتهكا لحرمات الله فقتلته . ثم قال : أيّها الناس : إنّ لكم عليّ ألا أضع حجرا على حجر ، ولا لبنة ، على لبنة ، ولا أكري [ 1 ] نهرا ، ولا أكنز مالا ، ولا أنقل مالا من بلد إلى بلد حتى أسدّ ثغرة وخصاصة [ 2 ] أهله منه بما يغنيهم . فما فضل [ 3 ] منه نقلته إلى البلد الآخر الّذي يليه ، ولا أغلق بابي دونكم ، ولكم أعطياتكم في كلّ سنة ، وأرزاقكم كلّ شهر حتّى يكون أقصاكم كأدناكم . فإن وفيت لكم بما قلت فعليكم بالسّمع والطاعة وحسن المؤازرة . وإن لم أحرف [ 4 ] ، فلكم أن تخلعوني إلا أن أتوب . وإن كنتم تعلمون أنّ أحدا ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه ما قد بذلت لكم وأردتم أن تبايعوه فأنا أوّل من يبايعه معكم . إنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » . أقول : إنّ هذا الكلام حسن بالنسبة إلى ذلك الزمان وإلى اصطلاح أهله ، فإنّ هذه الشّرائط هي التي كانت معتبرة عندهم في استحقاق الرئاسة . فأمّا في هذا العصر فلو افتخر ملك من الملوك بأنّه لا يكري نهرا ولا يضع حجرا على حجر ،
هامش
[ 1 ] كرى النهر : حفر فيه حفرة جديدة . [ 2 ] الثغرة : الثّلمة والنقص ، والخصاصة : الفقر والحاجة . [ 3 ] فضل : زاد . [ 4 ] أحرف الرّجل : كدّ على عياله وسعى لخيرهم .