الرّجل الّذي أشار إليه بعمر بن عبد العزيز وقد كتم موت سليمان عنهم ، وقال لهم :
بايعوا مرّة أخرى ، فبايعوا ، فلمّا رأى أنّه قد أحكم الأمر ، أعلمهم بموت سليمان .
وكان عمر بن عبد العزيز من خيار الخلفاء ، عالما زاهدا ، عابدا تقيّا ورعا . سار سيرة مرضيّة ، ومضى حميدا . وهو الّذي قطع السبّ عن أمير المؤمنين - صلوات الله عليه وسلامه - وكان بنو أميّة يسبّونه على المنابر . قال عمر بن عبد العزيز : كان أبي عبد العزيز بن مروان يمرّ في خطبته يهدّها هدّا ، حتّى إذا وصل إلى ذكر أمير المؤمنين عليّ - عليه السّلام - تتعتع ، قال : فقلت له ذلك فقال : يا بنيّ : أدركت هذا منّي ؟ قلت : نعم قال : يا بنيّ : اعلم أنّ العوامّ لو عرفوا من عليّ بن أبي طالب ما نعرفه نحن ، لتفرّقوا عنّا إلى ولده ، فلمّا ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة قطع السبّ وجعل مكانه قوله تعالى : إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ 16 : 90 [ 1 ] ومدحه الشعراء على ذلك : فممن مدحه على ذلك كثير عزّة [ 2 ] بقوله
وليت فلم تشتم عليّا ، ولم تخف * بريّا ، ولم تتبع مقالة مجرم
وقلت فصدّقت الّذي قلت بالذي * فعلت ، فأضحى راضيا كلّ مسلم
وقد لبست لبس الهلوك [ 3 ] ثيابها * وأبدت لك الدّنيا بخدّ ومعصم
وتومض أحيانا بعين مريضة * وتبسم عن مثل الجمان المنظّم
فأعرضت عنها مشتمئزا كأنّما * سقتك مدوفا [ 4 ] من سمام وعلقم
وقد كنت منها في جبال أرومها [ 5 ] * ومن بحرها في زاخر السّيل مفعم [ 6 ]
( طويل )
هامش
[ 1 ] سورة النحل ، الآية / 90 / .
[ 2 ] كثيّر عزة : كثيّر بن عبد الرحمن الخزاعي . شاعر غزل ومدّاح ، تشيع لآل عليّ ثم انحاز إلى بني أمية يمدحهم وينال عطاياهم . وكانت وفاته / 105 / ه .
[ 3 ] الهلوك : البغيّ الفاجرة ، من صفات الدنيا .
[ 4 ] المدوف : الممزوج .
[ 5 ] الأروم : الجذور .
[ 6 ] وردت الأبيات مع بعض الاختلاف ، انظر شرحها في ديوان كثيّر بشرح قدري مايو طبعة دار الجيل ص / 342 / .