تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
« أبلغ بك » [ 1 ] وانظر حاجبك فليكن من خير أهلك فإنّه وجهك ولسانك . ولا يقفنّ أحد ببابك إلا أعلمك مكانه ، لتكون أنت الّذي تأذن له أو تردّه . وإذا خرجت إلى مجلسك فابدأ بالسّلام يأنسوا بك ، وتثبت في قلوبهم محبّتك . وإذا انتهى إليك مشكل فاستظهر عليه بالمشاورة ، فإنّها تفتح مغاليق الأمور ، وإذا سخطت على أحد فأخّر عقوبته ، فإنك على العقوبة بعد التوقف عنه ، أقدر منك على ردّها بعد إمضائها » وكانت وفاته في سنة ستّ وثمانين .

ثمّ ملك ابنه الوليد

كان الوليد من أفضل خلفائهم سيرة عند أهل الشأم ، بنى الجوامع ، جامع دمشق ، وجامع المدينة ( على ساكنها أفضل السّلام ) والمسجد الأقصى . وأعطى المجذمين ، ومنعهم من سؤال النّاس . وأعطى كلّ مقعد خادما ، وكلّ ضرير قائدا وفتح في خلافته فتوحا عظاما ، منها الأندلس وكاشغر ، والهند ، وكان شديد التكلّف بالعمارات والأبنية ، واتّخاذ المصانع والضّياع ، وكان الناس يلتقون في زمانه فيسأل بعضهم بعضا عن الأبنية والعمارات ، وكان أخوه سليمان يحبّ الطّعام ، فكان الناس في خلافته إذا التقوا ، سأل بعضهم بعضا عن الطّعام . وكان عمر بن عبد العزيز صاحب عبادة وتلاوة ، فكان الناس إذا تلاقوا في أيّامه سأل بعضهم بعضا ما وردك الليلة ؟ وكم تحفظ من القرآن ؟ وكم تقوم من الشّهر ؟ وهذا من خواصّ الملك التي تقدّم شرحها وكان لحّانا لا يحسن النّحو وعاتبه أبوه عبد الملك على اللّحن . وقال له : إنّه لا يلي العرب إلا من يحسن كلامهم ، فدخل الوليد بيتا ، وأخذ معه جماعة من علماء النحو وأقام مدّة يشتغل فيه ، فخرج أجهل ممّا كان يوم دخوله . فلما بلغ ذلك عبد الملك قال : قد أعذر ! .
هامش
[ 1 ] ابسط بشرك : كن طليق الوجه مبشّرا بالخير . ألن كنفك : كن ليّن الجانب حسن المعاملة . آثر الرّفق : فضّل اللطف على الغلاظة والشدّة أو القسوة . أبلغ بك : أكثر إيصالا إلى ما تريد من سياسة البلد .