لقد أمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها بعد أن علمهم آدابها وسننها ،
ونهاهم عن المحرم فيها ، وهذا هو الأصل في الزيارة في غيرها .
ولقد كان النصارى حتى قبل ظهور نبينا صلى الله عليه وآله وسلم يشركون بالله في
صلواتهم فيجعلونه ثالث ثلاثة ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، فهل من واجب
الموحد فيهم أن ينهاهم عن الصلاة لما خالطها من شرك ! ! أم الواجب عليه تبيين
حدودها وآدابها ونفي كل ما خالطها من بدع وضلالات ؟ أم كان على خاتم الأنبياء أن
يحرم الصلاة سدا للذرائع ؟ !
هذا مما لا يقوله عاقل . . غير أن عادة ابن تيمية التهويل في الأمور ، وإغراء الناس
بالايهام والمغالطة والتلبيس ، وقد يسوق هذا إلى الكذب والافتراء ، وكثيرا ما وقع
فيهما ! ! وها هو الآن يرتكبهما في قوله : ( كان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا
عليه وأرادوا الدعاء دعوا مستقبلي القبلة ولم يستقبلوا القبر ) . وافترى على مالك بن
أنس وكذب فيه المالكية كلهم ، ومذهبهم قائم على هذا ، وقد نقلوه عن إمامهم مالك
بأسانيدهم العالية عن أوثق أصحابه وأكثرهم معرفة به . . وحتى لو صح مدعاه ، ولا يصح ،
فإنما هو عليه ، لا له ، ففيه شهادة بزيارتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والدعاء
عنده ، ولا يضر في ذلك استقبال القبر عند الدعاء أو استدباره واستقبال القبلة . وقد
قدمنا على الهيئتين كثيرا من أثر السلف .
ويغض ابن تيمية الطرف عن كل ما لا يوافق هواه من أثر السلف . . وحين يختلف من السلف
اثنان يتمسك هو بمذهب المروانية منهم ويهجر من خالفه ، ولو كان من أشرف الصحابة ،
وأكثرهم علما . .
فلقد وقع النزاع في شيء من هذا عند القبر الشريف بين مروان بن الحكم وبين
الزيارة والتوسل — صفحة 109
مساهمون: صائب عبد الحميد
ص١٠٩