ظهرت بإيران في ذلك العهد والتي خرجت من مطابع حجرية فإن هذا الكتاب يبدو عليه بوضوح تأثير المنهج الأوروبى ، فهو مزود بعدد كبير من الرسومات ولو أنها في الحقيقة بدائية بعض الشئ ومزود بفهارس مفصلة ومتنوعة للغاية . وقد ذيل الكتاب بخارطة فارسية كبيرة تبين النقاط المأهولة ومجارى المياه ، وقد قدرها تقديرا كبيرا لوسترانج
Le Strange
واقتنع أثناء دراسته « لفارسنامه » لابن البلخي بأن مجهود شيرازي يعد مجهودا قيما ولا يقتصر على دراسة الأحوال المعاصرة بالولاية بل يعاون أيضا في تحديد وتصحيح المواضع الجغرافية الواردة « بفارسنامه » ، سواء الموجودة حاليا أو التي اختفت بمرور الأيام وكر العصور 203 . والكتاب يحدث أثرا قويا بالنسبة لما يحفل به من مادة تاريخية ، وقد لاحظ المستشرق براون أكثر من مرة أنه يحتفظ بمعطيات هامة عن تاريخ المظفرية بكرمان 204 .
من كل هذه الأمثلة يتضح لنا على وجه التحديد كيف أن الأدب الجغرافي لإيران الحديثة رغما من اتباعه للأنماط القديمة المعهودة في الأدب الجغرافي العربي قد حفظ لنا مادة قيمة تكمل بعض نواحي النقص الموجودة في الأخير ، بل إنه أسهم من ناحية أخرى بعض الشئ في استكمال المناهج التي سار عليها الأدب الجغرافي العربي . ولم يلبث أن أرغمته قوانين التطور التي أرغمت الأدب العربي كذلك على اطراح هذه التقاليد القديمة وإفساح الطريق لدخول المنهج الأوروبى الحديث ، ويمكن ملاحظة بداية هذا التغير في بعض مؤلفات القرن التاسع عشر ولكنه ما لبث أن غلب نهائيا في القرن العشرين . ولعبت دورا هاما في هذا المجال المعاهد الدراسية المختلفة التي احتاجت إلى الكتب الدراسية لمناهجها الحديثة ، وما مثال « دار الفنون » ببعيد عن أذهاننا ؛ وقد خرجت من أقلام المدرسين مؤلفات أساسية لعبت دورا هاما في دراسة إيران لا يقل عن دور المؤلفات الأوروبية المماثلة . ويمكن لإعطاء فكرة عن هذا الاقتصار على مثال واحد ، فعندما بدأ أحد مدرسى « دار المعلمين العالي » وهو مسعود كيهان ينشر في عام 1311 ه - 1933 مؤلفه الكبير « جغرافياى مفصل إيران » 205 تبين لأول وهلة أن الأنموذج الذي سار عليه لم يكن تلك المؤلفات المرتبطة بالمذهب العربي القديم بل المؤلفات الأوروبية الحديثة . فأجزاء الكتاب الثلاثة التي يتجاوز عدد صفحاتها الخمسمائة تعرض لنا في تسلسل منطقي مكتمل الجغرافيا الطبيعية والسياسية والاقتصادية لإيران ، وجميعها مزود بعدد هائل من الرسوم والتخطيطات والخارطات والجداول الاقتصادية . وإذا كانت رسومها لا ترتفع إلى مستوى المؤلفات الأوروبية من نفس النوع من حيث القيمة الفنية فإن غناها بالتفاصيل وطريقة تبوبها ووضوح عناوينها لا يقل في شئ عن مستوى أرفع المداخل والكتب المنهجية الموجودة باللغات الأوروبية .
وبالكلام على هذا المصنف الأخير نختتم الحديث عن الأدب الجغرافي الفارسي في القرون الأخيرة ، وقد كانت أهمية هذا الأدب بالنسبة لنا أهمية جانبية
( auxiliary )
فقد مكننا من إلقاء ضوء على جوانبه التي وقعت تحت تأثير المذهب العربي ، ولم يكن هدفنا بالطبع تقديم قائمة مكتملة بأسماء المؤلفات