وقد أسلمه هذا إلى تعميم الحكم على الآثار الأدبية والمؤلفات الإسلامية لتلك المرحلة ، بأنها من أدب الدعاية « التي لم تقم على استثارة العواطف الدينية فحسب ، بل إن العلماء قد اهتموا أيضا بتوضيح جانب آخر دنيوي يتعلق بفلسطين ، فأخذت تتشكل وتنمو القكرة القائلة بأن الشام تمتلك تسعة أعشار ثروة العالم بأجمعه » ولا يخفى ما تسوق إليه مثل هذه الأفكار من التزامات نفسية معينة ، فقد أحس المسلمون بأن عليهم أن يرتحلوا إلى تلك البلاد ، لا خضوعا لتلك العواطف الدينية وحدها ، بل ليستغلوا خيراتها لأنفسهم ، سواء في مجال التجارة أو الزراعة . » - 2 % 507 .
واضح هنا أن التعميم الأول ، في الحكم بالمشابهة - كل الشبه - بين وجهتي النظر الإسلامية والمسيحية ، هو الذي جعل الأستاذ المؤلف يرى جهاد المسلمين لتحرير فلسطين من الغزو الصليبى ، قصدا إلى استغلال خيراتها . وهذا يصدق على الصليبيين ، لكنه لا يصدق على المسلمين الذين عرف التاريخ جهادهم ، فدائية باذلة مستبسلة .
وعذره واضح في التماس العوامل الاقتصادية والمادية ، وراء المقاصد الدينية . فهو في هذا يأخذ بمذهب « التفسير المادي للتاريخ » ولسنا ننكره ، لكنا لا نراه كافيا لتفسير تاريخنا الإسلامي ، ونحن شعب متدين بفطرته ، يبذل المال والنفس في سبيل عقيدته .
وختاما أقول : إن جامعة الدول العربية بنشرها ترجمة هذا الكتاب ، قد أتاحت لنا واجب الاطلاع عليه وحق التعليق على ما فيه من مآخذ وأخطاء . وإني لأرجو أن تتولى الجامعة نقل ما في مكتبة الاستشراق من مؤلفات عن العربية والإسلام ، وأن تخطط لهذه المهمة الجليلة بحيث نستكمل علمنا بكل ما يقال عن تراثنا ويكتب عن عقيدتنا ، بعد أن يراجعه علماؤنا ، كل في مجال تخصصه ، ويعلقوا على ما قد يكون فيه من أخطاء .
واللّه ولى التوفيق .
د . عائشة عبد الرحمن ( بنت الشاطئ ) أستاذة اللغة العربية وآدابها بجامعة عين شمس
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 892
مساهمون: اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي
ص٨٩٢