من الإنصاف أن أقرر - بتقدير صادق - أن هذا الكتاب يحمل أثر جهد شاق صابر ، وثمرة عمل مخلص دائب استغرق نحو ثلث قرن من الزمان ، أمضاه الأستاذ « كراتشكوفسكى » في جمع مادته الخصبة عن تاريخ الأدب الجغرافي للعرب ، من الإيماءات الأولى في قديم ما وصل إلينا من الشعر الجاهلي ، إلى قريب من العصر الحديث .
وواضح أن العنصر الجغرافي ، يكاد يكون العنصر الجوهري الأول في الكتاب ، إذ يتجه العمل فيه إلى استخلاص المادة الجغرافية من تراث العرب الأدبي ، ثم من رحلاتهم ومؤلفاتهم في العلم الجغرافي . وقد يبدو أن هذا بعيد عن مجال تخصص « الأستاذ كراتشكوفسكى » في الأدب العربي وتاريخه ، لكن المتعمقين في دراسة العربية ، يقدرون أن الأدب خيط من نسيج الحياة العامة ، ويدركون مدى ارتباطه الوثيق بحضارة الأمة في مختلف فروعها وشتى أنواع نشاطها .
ومن هنا لم يجز عند المستشرق « كراتشكوفسكى » أن يدرس الأدب بمعزل عن التاريخ الحضارى للعرب ، فكانت عنايته بتاريخهم الجغرافي ضرورة لا غنى عنها ، لفهم عقليتهم وأمزجتهم وتصوراتهم .
وهذا هو ما يبرر أيضا ، اشتغالى بالنظر في هذا الكتاب والتعليق عليه ، على ما يبدو في الظاهر من بعد الجغرافيا عن مجال تخصصى في دراسة العربية والإسلام ، على أنى حريصة مع ذلك ، على ألا أتناول منه إلا ما هو من صميم اختصاصى في نصوص العربية ولا سيما كتابها الأكبر .
القرآن الكريم .
وفي كتاب « كراتشكوفسكى » أقوال خاطئة في الإسلام والقرآن الكريم ، نخالفه فيها ونؤاخذه عليها بمنطق العلم ، وأعترف مع ذلك بأنه من أحرص المستشرقين على ضبط قلمه من جموح الهوى وضلال التعصب ، ولعل الذي في كتابه من مآخذ ، لا يخرج عن كونه أخطاء لا ينجو عن مثلها دارس يتخصص في غير لغته ، وينظر في نصوص دينية متأثرا بموقفه من الأديان ورأيه في إلهية كتبها .
ومهما تبلغ فداحة هذه الأخطاء ، فالذي أطمئن إليه هو أنه تورط فيها عن غير عمد ، بسبب قصور في منهجه جعله يقول في القرآن الكريم بمنطق عقيدته ومذهبه ، وعجزه أحيانا عن إدراك سر العربية في التعبير ، ولمح خصائصها البيانية في كتابها المعجز .
* * * وأحتاج إلى إطالة النظر فيما كتب الأستاذ « كراتشكوفسكى » عن القرآن الكريم والأحاديث النبوية والشعر الجاهلي ، وذلك في الفصل الأول : « الجغرافيا عند العرب قبل ظهور المصنفات الجغرافية
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 871
مساهمون: اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي
ص٨٧١