تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 700

مساهمون:

ص٧٠٠
إلى البغدان ( مولدافيا
Moldavia
) والأفلاق ( ولاخيا
Wailachia
) والأوكراين ( أوكراينا
Ukraina
) وبلاد المسكوف
Moscovy
، وهو يمثل من ناحية موضوعه أهمية منقطعة النظير بالنسبة لتاريخ بلادنا وقد قدره المتخصصون بما هو أهل له من تقدير ولو أنه لم يخضع حتى الآن لدراسة وافية . وصاحب هذا المؤلف عربى مسيحي رضع لبان تقاليد تختلف عن تلك التي شغلنا بها حتى هذه اللحظة في الأدب الجغرافي ؛ وهو من الناحية الأدبية ليس بذى قيمة تذكر ولهذا السبب فمن العسير أن يجد مكانه في عرض عام لتاريخ الأدب العربي . أما المصنف الآخر فإنه ذو طابع مخالف تماما وأعنى به كتاب المقرّى المشهور عن الأندلس الذي يتمتع بالأهمية من وجهتي نظر الأدب والجغرافيا ؛ وهو أثر بارز في محيط النثر الفنى المنمق ولو أن مؤلفه يذهب بعيدا في هذا الصدد إلى درجة المبالغة ، وعلى أية حال فهو مصنف كلاسيكى وليس من المبالغة في شئ أن اعتبره البعض أحيانا خاتمة لتطور الأدب العربي عامة . وأصل المؤلف من تلمسان بشمال أفريقيا ولكنه ألف كتابه بالقاهرة بعد إلحاح وتشجيع من أصدقائه الدمشقيين الذين كانوا يمثلون بالنسبة له السند الوحيد في هذا الصدد كما يعترف هو نفسه ، هذه الصلة بين المغرب وسوريا لم تكن بالطبع وليدة المصادفة وهي توكد مرة أخرى استمرار وحدة التقاليد الثقافية والأدبية بين الأقطار الإسلامية المختلفة حتى في هذا العصر ؛ كما أنه من العسير أن ينسب إلى المصادفة أن العدد الأكبر من المصنفات الجغرافية التي ظهرت في هذا العصر ينتمى إلى سوريا والمغرب بالذات . والآن وقد وجدنا لأنفسنا الحق في الابتداء بسوريا فلنتحول إلى معالجة الكلام على تلك المصنفات التي انبعثت في وسط عربى مسيحي والتي لم تسنح لنا الفرصة من قبل لكي نقف عندها بصورة خاصة فيما مر من هذا الكتاب . والأدب الجغرافي لدى المسيحيين الشرقيين فقير على وجه العموم وقد أمكننا أن نتبين هذا إلى حد كبير عند كلامنا على السريان وإلى حد ما عن الحبش أو عن أولئك الذين دونوا مؤلفاتهم باللغة العربية . وهؤلاء الأخيرين قد ارتبطوا بحسب عقائدهم لا بالتقاليد الهلنستية في شخص بطلميوس بقدر ما ارتبطوا بالفترات المتأخرة لتطور الاتجاهات المماثلة في بيزنطه ورومة . وقد لاحظنا خلال كلامنا على العهود السابقة ظاهرة لا تخلو من الطرافة وهي أن عددا من أوصاف رومة ( وأحيانا القسطنطينية وأنطاكية ) التي وجدت عند بعض المؤرخين والجغرافيين المسلمين ترتبط بمصادر مسيحية شرقية ؛ وهذه الأوصاف منحولة في العادة - - ويغلب عليها الطابع الأسطورى وقد وقعت إلى الأدب العربي في معظم الأحايين عن طريق السريان ، ويمكن القول بصورة قاطعة بأن أصحابها قد زاروا تلك المواضع غير أن حكاياتهم عنها مشحونة بعنصر الخيال وليست سهلة الفهم بالنسبة للقارئ . أما في العصر الحديث الذي نعالج الكلام عليه الآن فإن جميع الأدب الجغرافي للمسيحيين العرب يقتصر في جوهره على أوصاف الحج إلى « الأرض المقدسة » ( فلسطين ) وإلى سيناء ؛ وأقدم الآثار في هذا المجال غير معروفة لنا ومن المحتمل أنها لم تعش ؛ وهو شئ يجب ألا يدهشنا بإزاء الظروف التي حفظ فيها هذا الأدب العربي المسيحي .