تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 699

مساهمون:

ص٦٩٩

الفصل الثالث والعشرون القرن السابع عشر

يشابه القرن السابع عشر القرن الثامن عشر في أنه لا يقدم شيئا جديدا في تطور الأدب الجغرافي باللغة العربية لدى مقارنته بالعصور السابقة له ؛ وإذا كنا قد أفردنا له فصلا خاصا فإن مرد ذلك إلى اعتبارات ذات طابع عملي بحث لا علاقة لها البتة بالمادة الجغرافية . وقد ظلت معظم البلاد العربية في هذا الوقت أيضا ولايات تابعة للدولة العثمانية ، تربطها بها روابط نائية أحيانا وثانوية غالبا ولكنها احتفظت بمراكز الثقافة المحلية التي انتعشت فيها التقاليد الأدبية وفقا للمذهب القديم للعصور الوسطى . فالمغرب ، وعلى وجه الخصوص مراكش ، الذي نمتع كما كان عليه الحال من قبل بقدر كبير من الاستقلال السياسي قد حافظ بشدة على ميله القديم إلى التأليف في مجال التاريخ وأخرج لنا في هذا الميدان عددا هائلا من المصنفات إلى القرن التاسع عشر تنتمى كلها إلى النماذج المعروفة لنا . وبصدد الاهتمام بأدب التاريخ يمكن أن يلفت النظر بصورة خاصة الرواج المنقطع النظير الذي نمتع به نمط الرحلة والذي ظل محتفظا به إلى القرن التاسع عشر أيضا . ويمكن القول بوجه عام إن الأدب الجغرافي في جميع البلاد العربية في هذا العصر قد اقتصر اقتصارا تاما على نمطين فقط هما نمط الأوصاف الجغرافية المنطقية ونمط الرحلات . أما المجموعة الأولى فقد غلب عليها بصورة واضحة طراز « الفضائل » ، ونلتقى بها مرة ثانية وفي كمية غزيرة بسوريا أو مكرسة « للمدن المقدسة » بالجزيرة العربية مع ميل واضح للتخصص ولتضييق أهدافها . وأما الرحلات فقد ظلت تجتذبها كما هي العادة العاصمة السياسية للخلافة أعنى استنبول التي اتجهت إليها كما كان الحال من قبل البعثات الدبلوماسية أو رعايا الدولة العاديين الذين رحلوا إليها ليرفعوا ظلاماتهم من الولاة المحليين ؛ كذلك استمر الحج يلعب دورا مذكورا في الرحلة ولم يقتصر على المراكز الإسلامية وحدها بل ضم إليها المواضع المسيحية كالقدس وطور سيناء : وقد انبعث في هذا الصدد أدب مستقل بين أوساط العرب المسيحيين بسوريا خاصة ، كان من الممكن أن نعتبره ظاهرة جديدة لولا جهلنا بخطوط تطوره التاريخي الأولى . ومما يميز الأدب الجغرافي للقرن السابع عشر لدى مقارنته بالقرون السابقة لذلك هو أننا نلتقى فيه على الأقل بمصنفين كبيرين يفوقان بجلاء غيرهما من مصنفات ذلك العصر ، سواء من حيث المضمون أو من حيث الصياغة الأدبية . وكلا المصنفين ينتميان إلى النصف الأول من القرن السابع عشر ويرتبطان بسوريا ولكنهما ظهرا في وسطين مختلفين تمام الاختلاف . أولهما هو وصف رحلة مكاريوس الأنطاكي