كما أنه إذا سال السيل في الأودية ، لم يبق في الأودية نجاسة إلا كنسها وذهب بها ،
كذلك إذا سال النور الذي قسم الله تعالى للعبد في نفسه لا يبقى فيه غفلة ولا ظلمة
* ( أنزل من السماء ماء ) * يعني قسمة النور * ( فسالت أودية بقدرها ) * يعني في القلوب
الأنوار على ما قسم له في الأزل ، * ( فأما الزبد فيذهب جفاء ) * فبذلك النور يصير القلب
منورا فلا يبقى فيه جفوة ، * ( وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) * فذهب البواطيل
وتبقى الحقائق .
قال بعضهم : * ( أنزل من السماء ماء ) * : أنواع الكرامات فأخذ كل قلب بحظه ،
ونصيبه فكل قلب مؤيد بنور التوفيق ، أضاء فيه سراج المعرفة ، وكل قلب زين بنور
الهدى أضاء فيه أنوار المعرفة ، وكل قلب قيد بنور المحبة ، أضاء فيه لهيب الشوق وكل
قلب عمى بلهيب الشوق أضاء فيه أنس القرب ، كذلك القلوب تتقلب من حالة إلى
حالة حتى تستغرق في أنوار المشاهدة ، أخذ كل قلب بحظه ، ونصيبه إلى أن تبدو الأنوار
على الشواهد من فضل نور السر .
قوله عز وجل : * ( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) *
[ الآية : 17 ] .
قال ابن عطاء : ما كان من الأحوال صدقا . ثبت في القلوب بركاتها ، وما كان من
غير ذلك فإنه لا يبقى فيه خير .
قال الواسطي : في قوله تعالى : * ( أنزل من السماء ماء ) * هو القرآن في صرف الكرم
والفضل * ( فاحتمل السيل زبدا رابيا ) * رؤيتك الأعمال ، وصولتك بها على جيرانك ،
* ( فأما الزبد فيذهب جفاء ) * عند أهل التوحيد ، * ( وأما ما ينفع الناس ) * وهو اليقين ،
وهو ما سال من الله عليه من صرف الكرم فيبقى عليه .
قوله عز وجل : * ( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ) *
[ الآية : 19 ] .
قال السياري : ليس من استدل عليك بربه كمن يستدل بك على ربه وليس من تحقق
بما أنزل إليك من جهة الحق ، كم تحققه من جهته ، وليس من شاهد جريان الأشياء في
الأزل كمن شاهده في وقت ظهوره .
تفسير السلمي — صفحة 331
مساهمون: أبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السُلمي
ص٣٣١