تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
أحدهما بالفعل ، مجازه : وسخرنا له الطيرَ ، مثل قولك : ( أطعمته طعاماً وماء ) تريد : وسقيته ماء ، والوجه الآخر النداء كقولك : يا عمرو والصلت أقبلا ، نصبت الصلت ؛ لأنه إنما يُدعى بيائها فإذا فقدتها كان كالمعدول عن جهته ، فنصب ، وقيل : مع الطير ، فتكون الطير مأمورة معه بالتأويب . وروي عن يعقوب بالرفع ؛ رداً على " * ( الجبال ) * ) أي أوبي معه أنتِ والطير ، كقول الشاعر : ألا يا عمرو والضحاك سيرا فقد جاوزتما خمر الطريق يجوز نصب الضحاك ورفعه . قوله : " * ( وألنا له الحديد ) * ) فذكر أن الحديد كان في يده كالطين المبلول والعجين والشمع ، يصرفه بيده كيف يشاء من غير إدخال نار ولا ضرب بحديد ، وكان سبب ذلك على ما رُوي في الأخبار أن داوُد ( عليه السلام ) لما ملك بني إسرائيل كان من عادته أن يخرج للناس متنكراً ، فإذا رأى رجلاً لا يعرفه ، تقدم إليه يسأله عن داوُد ، فيقول له : ( ما تقول في داوُد واليكم هذا ؛ أي رجل هو ؟ ) فيثنون عليه ويقولون : خيراً فينا هو . فبينا هو في ذلك يوماً من الأيام إذ قيّض الله ملكاً في صورة آدمي ، فلما رآه داوُد تقدم إليه على عادته فسأله ، فقال له الملك : نِعمَ الرجل هو لولا خصلة فيه . فراع داوُد ذلك وقال : ( ما هي يا عبد الله ؟ ) قال : إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال . قال : فتنبه لذلك ، وسأل الله تعالى أن يسبب له سبباً يستغني به عن بيت المال فيتقوت منه ويطعم عياله ، فألان الله له الحديد فصار في يده مثل الشمع ، وعلمه صنعة الدروع ، وكان يتخذ الدروع وإنه أول من اتخذها . فيُقال : إنه كان يبيع كل درع منها بأربعة آلاف ، فيأكل ويطعم عياله منها ويتصدق منها على الفقراء والمساكين ، ويقال أيضاً : إنما ألان الحديد في يده لما أُعطي من القوّة . " * ( أن اعمل سابغات ) * ) دروعاً كوامل واسعات " * ( وقدر في السرد ) * ) ، أي لا تجعل المسامير دقاقاً فتغلق ولا غلاظاً فتكسر الحلق . فكان يفعل ذلك : وهو أول من اتخذ الدروع ، وكانت قبل ذلك صفائح ، والسرد : صنعة الدرع ، ومنه قيل لصانعها : السراد والزراد والدرع المسرودة ، قال أبو ذويب : وعليهما مسرودتان قضاهما داوُد أو صنع السوابغ تُبّع وأصله الوصل والنظم ، ومنه قيل للخرز : سرد وللأشفى مسرد وسراد . قال الشماخ : كما تابعت سرد العنان الخوارز
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 72 | الثعلبي / الإمام أبي محمد بن عاشور / نظير الساعدي