تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
إليهم منكم رجلاً واحداً ، ثمّ خرج حتّى أتى غطفان فقال : يا معشر غطفان أنتم أصلي وعشيرتي وأحبّ الناس إليَّ ولا أراكم تتّهموني ، قالوا : صدقت ، قال : فاكتموا عليَّ قالوا : نفعل ، ثمّ قال لهم مثل ما قال لقريش وحذّرهم ما حذّرهم ، فلمّا كانت ليلة السبت في شوّال سنة خمس ، وكان ممّا صنع الله برسوله ، أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان ، فقالوا لهم : إنّا لسنا بدار مقام ، قد هلك الخف والحافر ، فاغدوا للقتال حتّى نناجز محمّداً ونفرغ ممّا بيننا وبينه . فأرسلوا إليهم : إنّ اليوم السبت ، وهو يوم لا يُعمل فيه شيئاً ، وكان قد أحدث بعضنا فيه حدثاً فأصابه ما لم يخفَ عليكم ولسنا مع ذلك بالذي نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمّداً ، فإنّا نخشى إنْ ( ضرستكم ) الحرب واشتدّ عليكم القتال تسيروا إلى بلادكم ، وتتركونا والرجل في بلدنا ولا طاقة لنا بذلك من محمّد . فلمّا رجعت إليهم الرسل بالذي قالت بنو قريظة ، قالت قريش وغطفان : تعلمون والله إنّ الذي حدّثكم نعيم بن مسعود لحقّ ، فأرسلوا إلى بني قريظة ، إنّا والله لا ندفع إليكم رجلاً واحداً من رجالنا ، فإن كنتم تريدون القتال ، فأخرجوا فقاتلوا . فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا : إنّ الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحقّ ، ما يريد القوم إلاّ أنْ تقاتلوا ، فإنْ وجدوا فرصة انتهزوها ، وإنْ كان غير ذلك إنشمروا إلى بلادهم وخلّوا بينكم وبين الرجل في بلادكم ، فأرسلوا إلى قريش وإلى غطفان : إنّا والله لا نقاتل معكم حتّى تعطونا رهناً ، فأبوا عليهم وخذل الله بينهم ، وبعث الله تعالى عليهم الريح في ليال شاتية شديدة البرد ، حتّى انصرفوا راجعين والحمد لله ربّ العالمين . قال الله تعالى : " * ( وَإِذْ زَاغَتِ ) * ) مالت " * ( الأَبْصَارُ ) * ) وشخصت " * ( وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ ) * ) فزالت عن أماكنها حتى بلغت الحلوق من الفزع " * ( وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونا ) * ) فأمّا المنافقون فظنّوا أنَّ محمّداً وأصحابه سيُغلبون ويُستأصلون ، وأمّا المؤمنون فأيقنوا أنّ ما وعدهم الله حقّ ( من ) أنّه سيظهر دينه على الدين كلّه ولو كره المشركون . واختلف القرّاء في قوله : الظُّنُونَا والرسولا والسبيلا ، فأثبت الألفات فيها وصلاً ووقفاً ، أهل المدينة والشام وأيّوب وعاصم برواية أبي بكر ، وأبو عمر برواية ابن عبّاس . والكسائي برواية قتيبة ، قالوا : إنّ ألفاتها ثابتة في مصحف عثمان وسائر مصاحف البلدان . وقرأها أبو عمرو في سائر الروايات وحمزة ويعقوب بغير ( ألف ) في الحالين على الأصل . وقرأ الباقون بالألف في الوقف دون الوصل ، واحتجّوا بأنّ العرب تفعل ذلك في قوافي