تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
" * ( الذين اصطفينا من عبادنا ) * ) وهم أمة محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . ثم قسمهم ثلاث طبقات ورتبهم على ثلاث درجات فقال الله تعالى : " * ( فمنهم ظالمٌ لنفسه ) * ) قيّد اللفظ وعَلّق الظلم بالنفس ؛ فلذلك ساغ أن يكون من أهل الاصطفاء مع ظلمه . فإن قيل : ما وجه الحكمة في تقديم الظالم وتأخير السابق وإنما يقدم الأفضل ؟ فالجواب عنه أن نقول : إنما أُخر السابق ليكون أقرب إلى الجنان والثواب ، كما قدم الصوامع والبيع والصلوات في سورة الحج على المساجد التي هي أفضل بقاع الأرض ، فتكون الصوامع أقرب إلى الهدم والخراب وتكون المساجد أقرب إلى ذكر الله تعالى . ومنهم من قال : إنما جعل ذلك ؛ لأن الملوك إذا أرادوا الجمع بين الأشياء بالذكر قدموا الأدنى على الأفضل . كقوله تعالى : " * ( إنّ ربك لشديد العقاب وإنه لغفورٌ رحيم ) * ) ، وقال : " * ( يولج الليل في النهار ) * ) ، وقال : " * ( يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور ) * ) وقال : " * ( خلق الموت والحياة ) * ) . وقيل : قدم الظالم لئلا ييأس من رحمته وأخر السابق لئلا يعجب بعمله . وقال جعفر الصادق ( عليه السلام ) : ( بدأ بالظالم إخباراً أنه لا يتقرب إليه إلاّ بصرف رحمته وكرمه ، وأنّ الظلم لا يؤثّر في الاصطفائية ثم ثنى بالمقتصدين ؛ لأنهم بين الخوف والرجاء ، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكر الله وكلّهم في الجنة بحرمه كلمة الإخلاص ) . وقال بعضهم : قدم الظالم ؛ لأنه لم يكن له شيء يتكل عليه إلاّ رحمة الله فاعتمد على الله واتكل على رحمته واتكل المقتصد على حسن ظنه بربه واتكل السابق على حسناته وطاعته . وقال محمد بن علي الترمذي : جمعهم في الاصطفاء إزالة للعلل عن العطاء ؛ لأنّ الاصطفاء أوجب الإرث لا الإرث أوجب الاصطفاء ؛ لذلك قيل : صحح النسبة ثم اطمع في الميراث . وقال أبو بكر الوراق : إنما رتبهم هذا الترتيب على مقامات الناس ؛ لأنّ أحوال العبد ثلاث : معصية ، وغفلة ، ثم توبة وقربة . فإذا عصى دخل في حيّز الظالمين ، وإذا تاب دخل في