" * ( والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ) * ) واختلف القرّاء فيه فقرأ أهل المدينة والشام : يُقتروا بضم الياء وكسر التاء ، وقرأ أهل الكوفة بفتح الياء وضم التاء ، غيرهم بفتح الياء وكسر التاء وكلّها لغات صحيحة ، يقال : أقتَر وقَتَر يَقتِرُ ويَقتُر مثل يعرشون ويعكفون ، واختلف المفسرون في معنى الإسراف والإقتار ، فقال بعضهم : الإسراف : النفقة في معصية الله وإن قلّت ، والاقتار : منع حق الله سبحانه وتعالى ، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج وابن زيد .
أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري قال : حدّثنا محمد بن عمر بن إسحاق الكلوادي قال : حدّثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث قال : حدّثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء الرملي قال : حدّثنا أبي قال : حدّثنا سهيل بن أبي حزم عن كثير بن زياد أبي سهل عن الحسن في هذه الآية قال : لم يُنفقوا في معاصي الله ولم يمسكوا عن فرائض الله .
وقال بعضهم : الإسراف أن تأكل مال غيرك بغير حق .
قال عون بن عبد الله بن عتبة : ليس المسرف من أكل ماله ، إنما المسرف من يأكل مال غيره .
وقال قوم : السرف : مجاوزة الحد في النفقة ، والإقتار : التقصير عما ينبغي مما لابد منه ، وهذا الاختيار لقوله " * ( وكان بين ذلك ) * ) أي وكان إنفاقهم بين ذلك " * ( قواماً ) * ) عدلاً وقصداً وسطاً بين الإسراف والإقتار .
قال إبراهيم : لا يجيعهم ولا يعريهم ، ولا ينفق نفقة تقول الناس : قد أسرف .
مقاتل : كسبوا طيّباً ، وانفقوا قصداً ، وقدموا فضلاً ، فربحوا وأنجحوا .
وقال يزيد بن أبي حبيب في هذه الآية : أُولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة ، ولا يلبسون ثوباً للجمال ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسدُّ عنهم الجوع ويقويهم على عبادة ربّهم ، ومن الثياب ما يَسترُ عوراتهم ويكنّهم من الحرّ والقرّ .
وأخبرني ابن فنجويه قال : حدّثنا ابن حنش قال : حدّثنا ابن زنجويه قال : حدّثنا سلمة قال : حدّثنا عبد الرزاق عن أبي عيينة عن رجل عن الحسن في قوله سبحانه " * ( يسرفوا ولم يقتروا ) * ) إنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : كفى سرفاً ان لا يشتهي رجل شيئاً إلا اشتراه فأكله .
" * ( والذين لا يدعون مع اللهِ إلاهاً آخر ) * ) الآية
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 147
مساهمون: الثعلبي
ص١٤٧