ويقول العرب : إذا أتيت مكان كذا فنظر إليك الحمل فخذ يميناً وشمالاً أي : استقبلك .
وحدث أبو عبيدة عن الكسائي قال : الحائط ينظر إليك إذا كان قريباً منك حيث تراه . ومنه قول الشاعر :
إذا نظرت بلاد بني تميم
بعين أو بلا بني صباح
وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول : سمعت أبا زكريا العنبري يقول : معناه : وتراهم كأنهم ينظرون إليك كقوله : " * ( وترى الناس سكارى ) * ) أي كأنهم سكارى وإنّما أُخبر عنهم بالهاء والميم ، لأنّها مصوّرة على صورة بني آدم مخبرة عنها بأفعالهم .
" * ( خذ العفو ) * ) قال مجاهد : يعني العفو من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تخميس .
قال ابن الزبير : ما أنزل الله تعالى هذه الآية إلاّ في أخلاق الناس .
وقال ابن عباس والسدي والضحاك والكلبي : يعني ماعفا لك من أموالهم وهو الفضل من العيال والكل فما أتوك به عفواً فخذه ولا تسألهم ما ذرأ ذلك .
وهذا قبل أن ينزل فريضة الصدقات . ولما نزلت آية الصدقات نسخت هذه الآية وأمر بأخذها منهم طوعاً وكرهاً " * ( وأمر بالعرف ) * ) أي بالمعروف . قرأ عيسى بن عمر : العُرُف ضمتين مثل الحُلُم وهما لغتان والعرف المعروف والعارفة كل خلصة حميدة فرضتها العقول وتطمئن إليها النفوس . قال الشاعر :
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
لا يذهب العرف بين الله والناس
قال عطاء : وأمر بالعرف يعني لا إله إلاّ الله " * ( وأعرض عن الجاهلين ) * ) أبي جهل وأصحابه نسختها آية السيف . ويقال لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبرئيل : ( ما هذه ؟ قال : لا أدري حتّى أسأل ، ثمّ رجع فقال : يا محمد إن ربّك يأمرك أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك ) . فنظم الشاعر فقال :
مكارم الأخلاق في ثلاث
من كملت فيه فذاك الفتى
إعطاء من يحرمه ووصل من
يقطعه والعفو عمن عليه اعتدى
قال جعفر الصادق : ( أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية ) .
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 318
مساهمون: الثعلبي
ص٣١٨