فقال له الأحبار : لا تفعل ذلك ؛ فإنّها لو تركت وحقُّ الناس بها لتركت لأُمها التي ولدتها ، ولكنّا نقرع عليها فتكون عند من خرج سهمه ، فانطلقوا وكانوا تسعة وعشرين رجلاً إلى نهر جاري .
قال السدي : هو نهر الأردن ، فألقوا أقلامهم في الماء ، فارتفع قلم زكريا فوق الماء وانحدرت أقلامهم ( ورسبت ) في النهر ، قاله ابن إسحاق وجماعة .
وقال السدي وجماعة : بل ثبت قلم زكريا وقام فوق الماء كأنه في طين وجرت أقلامهم مع جريان الماء ( فذهب بها الماء ) ، فسهمهم وقرعهم زكريا ، وكان رأس الأحبار ونبيهم فذلك قوله تعالى : " * ( وكفّلها زكريّا ) * ) ضمّها إلى نفسه وقام بأمرها .
قال ابن إسحاق : فلمّا كفّلها زكريا ضمّها إلى خالتها أم يحيى واسترضع لها ، حتى إذا نشأت وبلغت مبالغ النساء بنى لها محراباً : أي غرفة في المسجد ، وجعل بابه إلى وسطها ، لا يرقى إليها إلاّ بسلّم مثل باب الكعبة ، فلا يصعد إليها غيره ، وكان يأتيها بطعامها وشرابها ودهنها كلّ يوم .
" * ( كلّما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً ) * ) : يعني وجد زكريا عندها فاكهة في غير أوانها ، فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف غضّاً طريّاً . " * ( قال يا مريم أنّى لكِ هذا ) * ) فإنّها كانت إذا رزقها اللَّه شيئاً وسألت عنه " * ( قالت هو من عند اللَّه إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب ) * ) .
( أخبرنا عبد الله بن حامد بإسناده عن جابر بن عبد الله : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام أيّاماً لم يُطعم طعاماً ، حتى شقّ ذلك عليه فطاف في منازل أزواجه ، فلم يصب في بيت أحد منهنّ شيئاً ، فأتى فاطمة رضي الله عنها فقال : ( يا بنيّة هل عندكِ شيء آكلُ فإنّي جائع ؟ )
فقالت : لا والله بأبي أنتَ وأمّي ، فلمّا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندها ، بعثت إليها جارة لها برغيفين وبضعة لحم ، فأخذته منها ووضعته في جفنة وغطّت عليه وقالت : لأوثرنّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي ومن عندي ، وكانوا جميعاً محتاجين إلى شبعة من طعام ، فبعثت حسناً وحسيناً إلى جدّهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إليها ، فقالت : بأبي أنت وأمّي يا رسول الله قد أتانا الله بشيء فخبّأته لك ، قال : ( فهلمّي به ) ، فأُتي به فكشف عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزاً ولحماً ، فلمّا نظرت إليه بهتت وعرفت أنّها من بركة الله ، فحمدت الله تعالى وصلّت على نبيّه ،
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 57
مساهمون: الثعلبي
ص٥٧