دنانير فأمسكوا به فأخذ وأُلقي في البحر ، ويقال إنه نزل في حرة بني سليم وكان يعبد صنماً لهم إلى إن مات ، فأنزل الله فيه " * ( إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً ) * ) فنزل فيه " * ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أيْدِيَهُمَا ) * ) الآية .
جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله " * ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ ) * ) : نزلت هذه الآية في نفر من قريش ، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ودخلوا في الإسلام ، فأعطاهم رسول الله ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين ورجعوا إلى عبادة الأوثان ، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية " * ( ومن يشاقق الرسول ) أي يفارق الرسول ، ويعاديه ويحاربه ( من بعد ما تبين له الهدى ) * ) يعني من بعد ماوضح له إن محمد عبده ورسوله " * ( وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ ) * ) أي غير طريق المسلمين " * ( نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ) * ) أي نكله إلى الأصنام يوم القيامة ، وهي لا تملك ضراً ولانفعاً ولا ينجيهم من عذاب الله ونصله جهنم بعبادة الأصنام .
" * ( وَسَاءَتْ مَصِيراً ) * ) يعني بئس المنزل حلوا به يوم القيامة .
الضحاك عن ابن عباس : قوله تعالى " * ( إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ) * ) قال : إن شيخاً من الاعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله أني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا إلاّ إني لم اشرك بالله شيئاً منذ عرفته ، وآمنت به ولم اتخذ من دونه ولياً ولم أواقع المعاصي جرأة على الله ولا مكابرة له ولا توهمت طرفة عين ، إني أعجز الله هرباً وإني لنادم تائب مستغفر فما حالي عند الله ؟ فأنزل الله عز وجل " * ( إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ) * ) والشرك ذنب لا يغفر لمن مات عليه " * ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً ) * ) يعني فقد ذهب عن الطريق وحرم الخير كله .
واعلم أن في قوله تعالى " * ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ ) * ) دليل على قوة حجة الاجماع وفي قوله : " * ( إن الله لايَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ) * ) دليل على فساد قول الخوارج حين زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر وذلك قوله عز وجل قال : " * ( إنّ اللهَ لايَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) * ) ففرّق بين الشرك وسائر الذنوب وحَتم على نفسه بأن لا يغفر الشرك .
لو كان الكبيرة كفراً لكان قوله " * ( إن الله لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بهِ ) * ) مستوعباً فلما فرّق بين الشرك وسائر الذنوب بان فساد قولهم ، وقد بيّن الله تعالى بأنه الشرك في آخر القصة وهو قوله " * ( إنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلاَّ إنَاثاً وَإنْ يَدْعُونَ إلاَّ شَيْطَاناً مَرِيداً ) * ) وقد علم أن صاحب الكبيرة غير مستحل لها فلم يجز أن يكون حكمه حكم الكافر ، وفيه دليل على فساد قول المعتزلة في المنزلة ( بين الشرك والإيمان ) إذ الله تعالى لم يجعل بين الشرك والإيمان منزلة ولم يجعل الذنوب ضداً للإيمان
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 386
مساهمون: الثعلبي
ص٣٨٦