تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
" * ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إلاَّ خَطَأً ) * ) الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي وذلك إنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل أن يهاجر رسول الله إلى المدينة وأسلم معه ، ثم خاف أن يظهر إسلامه لأهله ، وأن يبلغ أهل مكة إسلامه ، فخرج هارباً من مكة إلى المدينة ، ثم قدمها فكان أطماً من آطامها فتحصن فيه ، فجزعت لذلك أمه جزعاً شديداً ، حين بلغها إسلامه ، وخروجه إلى المدينة ، فقالت : لابنها الحرث وأبي جهل بن هشام وهما أخواه لأمه ، والله لايظلني سقف ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى تأتوني به ، فخرج في طلبه وخرج معهم الحرث ابن زيد بن أبي أنيسة من الكعبة إلى المدينة ، فأتوا بالمدينة ، فاتوا عياشاً وهو في الأطم ( يعني الجبل ) فقالا له : إنزل فإن أمك لم يؤوها سقف بيت بعدك ، وقد حَلفت أن لا تأكل طعاماً ولا تشرب شراباً حتى ترجع إليها . ذلك عهد الله علينا ان لا نكرهك على شيء ولا نحول بينك وبين دينك ، فلما ذكروا له خرج إليهم ثم حلفوا بالله ، فنزل إليهم فأخرجوه من المدينة ، ثم أوثقوه بنسع فجلده كل رجل منهم مائة جلدة ، ثم قدموا به على أمه وهي أسماء بنت مخرمة ، فلما دخل قالت : والله لا أفكك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به . ثم تركوه متروكاً موثقاً في الشمس ما شاء الله ثم أعطاهم الذي أرادوا فأتاه الحرث بن زيد ، فقال له : ياعياش هذا الذي كنت عليه ، فوالله لئن كان هدى لقد تركت الهدى ولئن كانت ضلالة لقد كنت عليها فغضب عياش من مقاله ، وقال : والله لا ألقاك خالياً أبداً إلاّ قتلتك ، ثم أن حارثاً بعد ذلك أسلم وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وكان عياش يؤمئذ حاضراً ، ولم يشعر باسلامه فبينا عياش حاضر إذ لقي الحرث بن زيد ولما رآه حمل عليه فقتله فقال الناس : أي شيء ( صنعت ) إنه قد أسلم ، فرجع عياش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله قد كان أمري وأمر الحرث ما قد علمت وإني لم أشعر بإسلامه حتى قتلته ، فنزل عليه قوله تعالى " * ( مَا كَانَ لِمُؤْمِن ) * ) أي لا ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ خطئاً وليس معنى قوله " * ( وما كان ) * ) على النفي وإنما هو على التحريم والنهي كقوله " * ( مَا كَانَ لَكُمْ أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ ) * ) . ولو كان ذلك على النفي لما وجدت مؤمناً قتل مؤمناً قط لأنّ ما نفى الله لم يجز وجوده . كقوله تعالى " * ( مَا كَانَ لَكُمْ أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا ) * ) ولا يقدر العباد على إنبات شجرها البتة . وقوله تعالى " * ( إلاّ خطأً ) * ) عندنا ليس من الأول للمعنى . " * ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً ) * ) البتة إلاّ أن المؤمن قد يخطئ في القتل وكفّارة خطأه ما ذكر بعده
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 359 | الثعلبي / الإمام أبي محمد بن عاشور / نظير الساعدي