قال أبو عبيدة : العرب تستثني الشيء من الشيء فليس منه على اختصار وضمير ، أي ليس مؤمناً على حال ، إلاّ أن يقتل مخطئاً فإن قتله مؤمناً فعليه ، كذا وكذا ، ومثله قوله " * ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ ) * ) واللمم ليس من الكبائر ومعناه إلاّ أن يلم بالفواحش والكبائر أي يقرب منها .
ومثله قول جرير :
من البيض لم تظعن بعيداً ولم تطأ
على الأرض إلاّ ذيل برد مرجّل
فكأنه قال : لم يطأ على الأرض إلاّ أن يطأ ذيل البرد فليس هو من الأرض .
وقال أبو خراش الهذلي :
أمست سقام خلاء لا أنيس به
إلاّ السباع ومرّ الريح بالغرف
الغرف متجر يعمل فيها الغرابيل ، وسقام واد لهذيل وكان أبو عمر الهذلي يرتع ذلك ومثله قول الشاعر :
وبلدة ليس بها أنيس
إلاّ اليعافير وإلاّ العيس
يقول : إلاّ أن يكون بها اليعافير والعيس .
وقال بعضهم : إلاّ ههنا معنى لكن فكأنه قال " * ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إلاَّ خَطَأً ) * ) ولا عمداً إلاّ بحال . لكن إن قتله خطأ فكذا وكذا وهذا كقوله " * ( وَلا تَأكُلُوا أمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إلا أن تكون تجارة ) * ) معناه لكن تجارة عن تراض منكم .
وقوله " * ( وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَة ) * ) أي فعليه تحرير أي إعتاق " * ( رَقَبَة مُؤْمِنَة ) * ) .
قال المفسرون : المؤمنة المصلية المدركة التي حصّلت الإيمان ، فإذا لم تكن المؤمنة جبرها الصغيرة المولود فما فوقه ممن ليس بها زمانة " * ( وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ ) * ) أي كاملة إلى أهل القتيل الذين يرثهم ويرثونه " * ( إلاَّ أنْ يَصَّدَّقُوا ) * ) أي يتصدقوا بالدية فيعفوا ويتركوا الدية .
" * ( فَإنْ كَانَ مِنْ قَوْم عَدُوَ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة ) * ) الآية على القاتل ولا دية لأهل القتيل ، لأنهم كفار محاربون ومالهم في المسلمين وليس بينهم وبين الله عهد ، ولا ذمّة وذلك أن الرجل كان يسلم ولا يسلم من تبعه غيره وقومه حرب للمسلمين فيصيبه الرجل .
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 360
مساهمون: الثعلبي
ص٣٦٠