قال : فغفل معين الفهري فرماه بصخرة فشدخ رأسه ، ثم ركب بعيراً منها وساق بقيّتها راجعاً إلى مكة كافراً ، فجعل يقول في شعره :
قتلت به فهراً وحملت عقله
سراة بني النجار ، أرباب فارع
وأدركت ثاري واضطجعت موسّداً
وكنت إلى الأوثان ، أوّل راجع
قول فيه " * ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا ) * ) بكفره ، وارتداده عن الإسلام .
حكم هذه الآية
فقالت الخوارج والمعتزلة : إنّها نزلت في المؤمن إذا قتل مؤمناً وهذا الوعيد لاحق به .
وقالت المرجئة : إنّها نزلت في كافر قتل مؤمناً ، فأما المؤمن إذا قتل مؤمناً فإنه لا يدخل النار .
وقالت طائفة من أصحاب الحديث ، إنها نزلت في مؤمن قتل مؤمناً وواعد عليه ما لبث إلاّ أن يتوب أو يستغفر .
وقالت طائفة منهم : كل مؤمن قتل مؤمناً فهو خالد في النار غير مؤيد ويخرج منها بشفاعة وجزاء وزعموا أنه لا توبه لمن قتل مؤمناً متعمداً .
وعندنا أن المؤمن إذا قتل مؤمناً متعمداً فإنه لا يكفر بفعله ولا يخرج عن الإيمان ، إلاّ إذا فعل ذلك على جهة الاستحلال والديانة .
فأما إذا لم يفعله على جهة الاستحلال والديانة فإنّ ديته قتيلاً ممن قتله وذلك كفارة له ، فإن كان تائباً من ذلك ولم يكن منقاداً ممن قيل كانت التوبة لهذا كفارة له .
وإن خرج من الدنيا بلا توبة ولا ( قود ) فأمره إلى الله إن شاء غفر له وأرضى خصمه بما شاء ، وإن شاء عذبه على فعله ثم يخرجه بعد ذلك إلى الجنة التي وعدها إن شاء الله لا يخلف وعداً وترك المجازاة بالوعيد يكون تفضلاً ، وترك المجازاة بالوعد يكون خلفاً تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .
والدليل على أن المؤمن لا يصير بقتله المؤمن كافراً ولا خارجاً من الإيمان أنّ الله تعالى حين ذكر إيجاب القصاص سمّى القاتل مؤمناً بقوله " * ( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى ) * ) .
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 362
مساهمون: الثعلبي
ص٣٦٢