وقال عكرمة : هم ناس ممن قد صبوا ليأخذوا أموالاً من أموال المشركين فانطلقوا بها إلى اليمامة فاختلف المسلمون فيهم فنزلت فيهم هذه الآية .
وقال مجاهد : هم قوم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثمّ ارتدّوا بعد ذلك واستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأتوا بضائع لهم يتاجرون فيها ، فخاف المسلمون منهم فقائل يقول : هم منافقون ، وقائل يقول : هم مؤمنون ، فبيّن الله تعالى نفاقهم .
وقال الضحاك : هم قوم أظهروا الإسلام بمكة فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يهاجروا فاختلف المسلمون فيهم ، فنزلت هذه الآية ( فمالكم ) يا معشر المؤمنين ( في المنافقين فئتين ) أي صرتم في المنافقين فئتين فمحلّ ومحرّم ، ونصب فئتين على خبر صار ، وقال بعضهم : نصب على إلاّ . " * ( وَاللهُ أرْكَسَهُمْ ) * ) أي أهلكهم ، ولكنهم تركوهم بكفرهم وضلالتهم بأعمالهم غير الزاكية يقال : أركست الشيء ركسته أي نكسته ورددته ، وفي قراءة عبد الله : وإني والله أنكسهم ، وقال ابن رواحة :
أركسوا في فتنة مظلمة
كسواد الليل يتلوها فتن
" * ( أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا ) * ) أي ترشدوا إلى الهدى " * ( مَنْ أضَلَّ اللهُ ) * ) وقيل : معناه : أيقولون أنّ هؤلاء يهتدون والله قد أضلّهم " * ( وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ ) * ) عن الهدى " * ( فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا ) * ) أي ديناً وطريقاً إلى الهدى " * ( وَدُّوا ) * ) أي تمنّوا " * ( لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ) * ) شركاء في ذلك مثلهم كفاراً ، ثمّ أمرهم بالبراءة منهم فقال " * ( فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله ) * ) الثانية معكم .
قال عكرمة : هي هجرة أخرى وبيعة أخرى ، والهجرة على ثلاثة أوجه : أما هجرة المؤمنين أوّل الإسلام فمضى في قوله " * ( لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأمْوَالِهِمْ ) * ) وقوله " * ( ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ) * ) ، وأما هجرة ( المؤمنين ) فهي الخروج في سبيل الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صابراً محتسباً . قال الله " * ( حتى يهاجروا في سبيل الله ) * ) ، وأما هجرة المؤمنين فهي أن يهجروا ما نهى الله عنه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " * ( فَإنْ تَوَلَّوْا ) * ) عن التوحيد والهجرة " * ( فَخُذُوهُمْ ) * ) يقول اسروهم " * ( وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) * ) يعني في الحل والحرم " * ( وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً ) * ) يعني ما ينافي العون والنصرة ، وقوله " * ( لو تُدْهِنُ ) * ) لم يرد به جواباً التمني لأن جواب التمني بالفاء منصوب بما أراد به الفسق على من نزل " * ( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ) * ) وودّوا لو
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 356
مساهمون: الثعلبي
ص٣٥٦