بالسيف حتى ولوا هاربين وانكشفوا منهزمين ، فذلك قوله : " * ( إذ تحسونهم بإذنه ) * ) أي تقتلونهم قتلا ذريعاً سريعاً شديداً .
قال الشاعر :
حسسناهم بالسيف حسّاً فأصبحت
بقيتهم قد شردوا وتبددوا
وقال أبو عبيدة : الحس الاستيصال بالقتل ، يقال : جراد محسوس إذا قتله البرد ، وسَنَة حسوس إذا أتت على كل شيء .
قال روبة :
إذا شكونا سنة حسوساً
تأكل بعد الأخضر اليبيسا
" * ( حتى إذا فشلتم ) * ) ، قال بعض أهل المعاني : يعني إلى أن فشلتم ، جعلوا ( حتى ) غاية بمعنى إلى ، وحينئذ لا جواب له .
وقال الآخرون : هو بمعنى فلما وفي الكلام تقديم وتأخير قالوا : وفي قوله : " * ( وتنازعتم ) * ) مقحمة زائدة ، ونظم الآية : حتى إذا تنازعتم " * ( في الأمر وعصيتم ) * ) وفشلتم أي جبنتم وضعفتم ، ومعنى التنازع الاختلاف ، وأصله من نزع القوم الشيء بعضهم من بعض ، وكان اختلافهم أن الرماة تكلموا حين هُزم المشركون وقالوا : انهزم القوم فما مقامنا ، وقال بعضهم : لا تجاوزوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبت عبد الله بن جبير في نفر يسير دون العشرة وانطلق الباقون ينهبون ، فلما نظر خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل إلى ذلك ، حملوا على الرماة فقتلوا عبد الله بن جبير وأصحابه وأقبلوا على المسلمين ، وحالت الريح فصارت دبوراً بعد ما كانت صبا ، وانتفضت صفوف المسلمين ، فاختلطوا وجعلوا يقتتلون على غير شعار ، فقتل بعضهم بعضاً وما يشعرون من الدهش ، ونادى إبليس ألا إن محمداً قد قتل ، وكان ذلك سبب هزيمة المؤمنين .
" * ( من بعد ما أراكم ما تحبون ) * ) يا معشر المؤمنين ما تحبون هو الظفر والغنيمة " * ( منكم من يريد الدنيا ) * ) يعني الذين تركوا المركز فاقبلوا إلى النهب " * ( ومنكم من يريد الآخرة ) * ) يعني الذين ثبتوا مع ابن جبير حتى قتلوا .
وقال عبد الله بن مسعود : ما شعرت أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أُحد فنزلت هذه الآية " * ( ثم صرفكم عنهم ) * ) أي ردّكم عنهم بالهزيمة " * ( ليبتليكم ولقد عفا عنكم ) * ) فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة ، قاله أكثر المفسرين ، ونظيره : " * ( ثم عفونا عنكم ) * ) .
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 184
مساهمون: الثعلبي
ص١٨٤