168 - - 41 . وَقالوا : لَمّا قُبِضَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله ، اجتَمَعَ أميرُ المؤمِنينَ عليه السلام وعَمُّهُ العبّاسُ رضى الله عنه ومَواليهِما في بَعضِ دورِ الأنصارِ لإجالةِ الرأي ، فَبَدَرَهُما أبو سُفيانَ والزبيرُ ، وعَرَضا نُفوسَهُما عَلَيهما ، وبَذَلا مِن نُفوسِهِما المُساعَدةَ والمُعاضَدةَ لَهُما .
فَقالَ العبّاسُ : قَد سَمِعنا مَقالَتَكُما ؛ فلا لِقِلَّةٍ نَستَعينُ بِكُما ، ولا لِظِنَّةٍ « 1 » نَترُكُ رأيَكُما ، لكِن لالتِماسِ الحَقِّ ، فَأمهِلا نُراجِعِ الفِكرَ ؛ فإن يَكُن لَنا مِنَ الإثمِ مَخرَجٌ يَصِرَّ بِنا وبِهِم الأمرُ صَرِيرَ الجُندَبِ ، ونَمُدُّ أكُفّاً إلى المَجدِ لا نَقبِضُها أو نَبلُغَ المَدى ، وإن تَكُنِ الاخرى فَلا لِقِلّةٍ في العَدَد ، ولا لِوَهنٍ في الأيدي ، واللَّهِ لَولا أنَّ الإسلامَ قَيدُ الفَتكِ لَتَدَكَدكَت جَنادِلُ صَخرٍ يُسمَعُ اصطِكاكُها مِن مَحَلّ الأبيلِ . « 2 » قال : فَحَلّ أميرُ المؤمنين عليه السلام حَبوَتَهُ ، وجثا على رُكبَتَيه - و كذا كانَ يَفعلُ إذا تَكَلَّمَ - فَقالَ : الحِلمُ زَينٌ ، والتَّقوى دينٌ ، والحُجّةُ مُحَمّدٌ صلى الله عليه و آله ، والطَّريقُ الصِّراطُ .
أيّها الناسُ - رحمكم اللَّه - شُقُّوا مُتَلاطِماتِ أمواجِ الفِتَنِ بِحَيازيمِ سُفُنِ النَّجاةِ ، وعَرِّجوا عَن سَبيل المُنافَرةِ ، وحُطُّوا تيجانَ المُفاخَرةِ ، أفلَجَ مَن نَهَضَ بِجَناحٍ ، أو استسلمَ فأراحَ ، ماءٌ آجِنٌ ، ولُقمةٌ يَغَصُّ بِها آكِلُها ، ومُجتَني الثَّمَرةِ في غَيرِ وَقتِها كالزارِعِ في غَيرِ أرضِهِ .
واللَّهِ لَو أقولُ لتداخَلَت أضلاعٌ كَتَداخُلِ أسنانِ دوّارةِ الرَّحى ، وإن أسكُت تَقولوا :
جَزِعَ ابنُ أبي طالِبٍ مِنَ المَوت ، هَيهاتَ بَعدَ اللُّتَيّا والَّتي ، واللَّهِ لَعَليٌّ آنَسُ بِالمَوتِ مِنَ الطِّفلِ بِثَدي أُمِّهِ ، لكِنِّي اندَمَجتُ عَلى مَكنونِ عِلمٍ لَو بُحتُ بِهِ لاضطَرَبتُمُ اضطِرابَ الأرشِيَةِ « 3 » في الطَّوِيِّ « 4 » البَعيدةِ .
هامش
( 1 ) . الظِّنّة : التهمة ( النهاية : ج 3 ص 140 ) .
( 2 ) . نثر الدرّ : ج 1 ص 398 نحوه .
( 3 ) . الأرشية : الحِبال ( تاج العروس : ج 1 ص 325 ) .
( 4 ) . طَوِيَّ : أي بئر ( لسان العرب : ج 15 ص 19 ) .