حِسابٌ ، وفي حَرامِها عِقابٌ : مَنِ استغنى فيها فُتِنَ ، ومَن افتُقِرَ فيها حَزِنَ ، مَن ساعاها فاتَتهُ ، ومَن قَعَدَ عنها واتته « 1 » ، ومَن أبصرَ بِها بَصَّرَتهُ و من أبصَرَ إليها أعمَتهُ . « 2 »
186 - - 59 . وقالَ عليه السلام أيضاً في صِفةِ الدُّنيا - وقد سُئل عَنها - : إنّ الدُّنيا دارُ صِدقٍ لِمَن صَدَقَها ، ودارُ عافِيةٍ لِمن فَهِمَ عَنها ، ودارُ غِنىً لِمن تَزَّود مِنها ، ودارُ موعِظةٍ لِمَنِ اتَّعظَ بها ، مسجِدُ أحِبّاء اللَّهِ ، ومُصَلَّى مَلائكة اللَّهِ ، ومَهبِطُ وَحيِ اللَّهِ ، ومَتجَرُ أولِياءِ اللَّهِ ، اكتَسَبوا فيها الرحمةَ ، ورَبِحوا فيها الجَنَّةَ ؛ فَمن ذا يَذمُّها وقَد آذَنَت بِبَينِها « 3 » ، ونادَت بِفِراقِها ، ونَعَت نَفسَها وأهلَها ، فَمثَّلَت بِبَلائها البَلاءَ ، وشَوّقَتهُم بِسُرورِها إلى السُّرور ، راحَت بِعافِيةٍ ، وابتَكَرَت بِفَجعةٍ تَرغيباً وترهيباً وتخويفاً وتحذيراً ، فَذَمَّها رِجالٌ غَداةَ النَّدامةِ ، وحَمِدَها آخَرون ، ذَكَّرَتهُمُ الدُّنيا فَذَكَروا ، وحَدَّثَتهم فَصَدَقوا ، ووَعَظَتهُم فاتَّعظوا .
فَيا أيُّها الذامُّ للدُّنيا ، المُغتَرُّ بِغُرورِها بِمَ تَذُمُّها ؟ أَأنتَ المُجرِمُ عَلَيها أم هِيَ المُجرِمةُ عَلَيكَ ؟ مَتى استهوَتكَ أم مَتى غَرَّتكَ ؟ أبِمَصارِعِ آبائكَ مِنَ البِلى أم بِمضاجِع أُمّهاتِكَ تَحتَ الثَّرى ؟ كَم عَلَّلتَ بِكَفَّيك ، وكَم مَرَّضتَ بِيَدَيكَ ؟ تَبغي لَهُما الشِّفاءَ ، وتَستوصِفُ لَهُمُ الأطِبّاءَ ، لَم يَنفَع أحدَهم إشفاقُك ، و لم تُسْعَفْ فيهِم بِطَلِبَتِكَ ، قَد مَثَّلَت لك بِهِمُ الدُّنيا نَفسَك ، وبِمصرَعِهِم مَصرَعَك . « 4 »
187 - - 60 . الدُّنيا دارُ مَمَرٍّ إلى دارِ مَقَرٍّ ، والناسُ فيها رَجُلانِ : رَجُلٌ باعَ نَفسَهُ فأوبَقَها ، ورَجُلٌ ابتاعَ نَفسَه فأعتَقَها . « 5 »
هامش
( 1 ) . واتته على الأمر مواتاةً ووِتاءً : طاوعته ( لسان العرب : ج 15 ص 378 ) .
( 2 ) . نهج البلاغة : الخطبة 82 ، خصائص الأئمّة عليهم السلام : ص 118 ، تحف العقول : ص 201 ، كنزالفوائد : ج 1 ص 345 ليس فيه ذيله من « و من أبصربها » وكلاهما نحوه ، نثر الدرّ : ج 1 ص 294 وليس فيه ذيله من « من ساعاها » .
( 3 ) . البَينُ : البُعد والفراق ( النهاية : ج 1 ص 172 ) .
( 4 ) . نهج البلاغة : الحكمة 131 ، خصائص الأئمّة عليهم السلام : ص 102 ، الإرشاد : ج 1 ص 296 ، تحف العقول : ص 187 ، الأمالي للطوسي : ص 594 ح 1231 والثلاثة الأخيرة نحوه .
( 5 ) . خصائص الأئمّة عليهم السلام : ص 103 ، نهج البلاغة : الحكمة 133 ، نثر الدرّ : ج 1 ص 295 فيه « فأوثقها » بدل « فاوبقها » وفيهما « لا » بدل « إلى » ؛ دستور معالم الحكم : ص 36 .