188 - - 61 . طُلّابُ العِلمِ ثَلاثةُ أصنافٍ فاعرِفوهُم بِصِفاتِهِم ونُعوتِهِم : فَطائفةٌ طَلَبَتها للمِراءِ والجِدالِ ، وطائفةٌ طَلَبَتها للاستطالة والخَتل « 1 » ، وطائفةٌ طَلَبَتها للتَّفَقُّهِ والعَمَلِ ؛ فَأمّا صاحِبُ المِراءِ وَالجَدَلِ فَمؤذٍ مُتأذٍّ ، مُتَصَدٍّ للمِقالِ في أندِيَةِ الرِّجالِ فَهُوَ كاسٍ من التَّخَشُّعِ « 2 » عارٍ مِنَ التَّوَرُّعِ ، فأعمى اللَّهُ بَصَرَهُ وقَطَعَ مِن آثارِ العُلَماءِ أثَرَهُ .
وأمّا صاحِبُ الاستطالَةِ والخَتلِ فَذو خِبّ ومَلَقٍ ، مائلٌ إلى أشكالِهِ ، مَضادٌّ لِأمثالِهِ ، وهو لِحَلَوائِهم « 3 » خاضِمٌ ، ولِدينِهِ هاضِمٌ ، فَهَشَمَ اللَّهُ مِن هذا خَيشومَهُ ، وقَطَعَ مِنهُ حَيزومَهُ .
وأمّا صاحِبُ التَّفَقُّهِ والعَمَلِ ، فَذو حُزنٍ وكآبةٍ ، كَثيرُ الخَوفِ والبُكاء ، طَويلُ الابتِهالِ والدُّعاءِ ، عارِفٌ بِزَمانِهِ ، مُقبلٌ عَلى شأنِهِ مُستوحِشٌ مِن أوثَقِ إخوانِهِ قَد خَشَعَ في بُرنُسِهِ « 4 » ، وقامَ الليلَ في حِندِسِه « 5 » ، فَشَدَّدَ اللَّهُ مِن هذا أركانَهُ ، وأعطاهُ مِمّا خافَ أمانَهُ . « 6 »
189 - - 62 . وقالَ جابِرُ بنُ عَبدِ اللَّهِ الأنصاريّ رضى الله عنه : تَبِعتُ أميرَ المؤمنينَ عَليَّ بنَ أبي طالبٍ عليه السلام وهُوَ يُريد المَسجِدَ ، فَتَنَّهَدتُ فالتَفَتَ إليَّ وقال : يا جابرُ ، ما هذا التَّنَفُّس عَلى دنياً مَلاذُّها خمسٍ : مأكولٌ ، ومَشروبٌ ، ومَلبوسٌ ، ومَركوبٌ ، ومَنكوحٌ ؛ فألَذُّ المأكولِ العَسَلُ ، وهُوَ رِيقُ ذُبابةٍ ، وألذُّ المَشروبِ الماءُ ، وكَفى بِرُخصِهِ وإباحَتِهِ ، وألَذُّ المَلبوسِ الدِّيباجُ ، وهُوَ لُعابُ دودةٍ ، وألذُّ المَركوبِ الدَّوابُّ وهِيَ قَواتِلُ ، وألَذُّ المَنكوحِ النِّساءُ ، وهُنَّ مَبالٌ لِمَبالٍ ، وإنّما يُرادُ أحسنُ ما في المرأةِ لأقبحِ ما فيها .
قالَ جابِرٌ : فانصرفتُ وأنا أزهدُ الناس في الدنيا . « 7 »
هامش
( 1 ) . وفي « أ » : والحيل ، في الموضعين .
( 2 ) . وفي « أ » : التجمّع .
( 3 ) . وفي « ب » : لحلوانهم .
( 4 ) . البُرنُس : كلّ ثوب رأسه منه ملتزق به . وقال الجوهري : هو قلنسوة طويلة كان النسّاكِ يلبسونها في صدر الإسلام ( النهاية : ج 1 ص 121 ) .
( 5 ) . ليل حِندسِ : أي مُظلِم ( لسان العرب : ج 6 ص 58 ) .
( 6 ) . الكافي : ج 1 ص 49 ح 5 ، الخصال : ص 194 ح 269 ، الأمالي للصدوق : ص 727 ح 997 كلّها نحوه .
( 7 ) . مطالب السؤول : ص 56 نحوه .