لولاه لفسدا . أمر بمراعاته ومحافظته قبل تعديد الأصول بتمامها لشدة العناية به وفرط
الاهتمام بأمره ، فوسط بينه وبين قوله : * ( والأرض وضعها للأنام ) * [ الرحمن ، الآية : 10 ] .
قوله : * ( ألا تطغوا في الميزان ) * بالإفراط عن حد الفضيلة والاعتدال ، فيلزم الجور
الموجب للفساد * ( وأقيموا الوزن بالقسط ) * بالاستقامة في الطريقة ، وملازمة حد الفضيلة
ونقطة الاعتدال في جميع الأمور وكل القوى * ( ولا تخسروا الميزان ) * بالتفريط عن حد
الفضيلة . قال بعض الحكماء : العدل ميزان الله تعالى ، وضعه للخلق ونصبه للحق .
تفسير سورة الرحمن من [ آية 10 - 18 ]
* ( والأرض ) * أي : أرض البدن * ( وضعها ) * لهذه المخلوقات المذكورة * ( فيها فاكهة ) * أي : ما تفيد اللذات الحسية من إدراكات الحواس والمحسوسات * ( والنخل ) *
أي : القوى المثمرة للذات الخيالية والوهمية الباسقة من أرض الجسد في هوى النفس
* ( ذات الأكمام ) * أي : غلف اللواحق المادية * ( والحب ) * أي : القوة الغاذية التي منها لذة
الذوق والأكل والشرب * ( ذو العصف ) * أي : الشعب والأوراق الكثيرة المنبسطة على
أرض البدن من الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والمغيرة والمصورة الملازمة
للبدن ، المقتضية لخواصها وأفعالها وما تعدها وتهيئها وتصلحها لحفظ القوة والإنماء مما
يصير بدل ما يتحلل ويزيد في الأقطار * ( والريحان ) * أي : المولدة ، الموجبة لذة الوقاع
التي هي أطيب اللذات الجسمانية وأسلاف البذر بتوليد مادة النوع .
* ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) * من هذه النعم المعدودة أيها الظاهريون والباطنيون من
الثقلين أبالنعم الظاهرة أم الباطنة . * ( خلق الإنسان ) * أي : ظاهره وجسده الذي يؤنس ،
أي : يبصر * ( من صلصال ) * من أكثف جواهر العناصر المختلطة الذي تغلب عليه
الأرضية واليبس * ( كالفخار ) * الصلب الذي يناسب جوهر العظم الذي هو أساس البدن
ودعامته * ( وخلق الجان ) * أي : باطنه وروحه الحيواني الذي هو مستور عن الحس وهو
أبو الجن ، أي : أصل القوى الحيوانية التي أقواها وأشرفها الوهم أي : الشيطان المسمى
إبليس الذي هو من ذريته * ( من مارج ) * من لهب لطيف صاف * ( من نار ) * أي : من ألطف
جواهر العناصر المختلفة الذي يغلب عليه الجوهر الناري والحر ، والمارج هو اللهب
الذي فيه اضطراب ، وهذه الروح دائمة الاضطراب والتحرك .
* ( رب المشرقين ورب المغربين ) * أي : مشرقي الظاهر والباطن ومغربيهما بإشراق
تفسير ابن عربي — صفحة 285
مساهمون: ابن عربي
ص٢٨٥