وذلك مقام الاستقامة إلى الله والقيام بحقائق العبودية لله ، ولا تتجلى ناصية
التوحيد ولا يحصل مقام التجرد والتفريد إلا به ، ولذلك عقبه بقوله :
* ( إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ) * إذ يكون السالك قبل ذلك مصليا إلى
قبلتين ، مترددا في العبادة بين جهتين ، متخذ الإلهين * ( وسع كل شيء علما ) * أي :
يتحقق هناك التوحيد بالفعل ، وتظهر إحاطة علمه بكل شيء وحدوده وغاياته فتقف كل
قوة بنور الحق وقدرته على حدها في عبادته وطاعته عائذة به عن حولها وقوتها ، عابدة
له بحسب وسعها وطاقتها ، شاهدة إياه ، مقرة بربوبيته بقدر ما أعطاها من معرفته . مثل
ذلك القصص * ( نقص عليك من أنباء ما قد سبق ) * من أحوال السالكين الذين سبقوا ،
ومقاماتهم لتثبيت فؤادك وتمكينك في مقام الاستقامة كما أمرت * ( وقد آتيناك من لدنك
ذكرا ) * أي : ذكرا ما أعظمه وهو : ذكر الذات الذي يشمل مراتب التوحيد .
* ( من أعرض عنه ) * بالتوجه إلى جانب الرجس وحيز الطبع والنفس * ( فإنه يحمل يوم القيامة ) * الصغرى وزر الهيئات المثقلة الجرمانية ، وآثام تعلقات المواد الهيولانية .
* ( يوم ينفخ ) * الحياة * ( في الصور ) * الجسمانية ، برد الأرواح إلى الأجساد * ( ونحشر المجرمين ) * الملازمين للأجرام * ( زرقا ) * عميا ، بيض سواد العيون ، أو شوها في غاية
قبح المناظر ، يحسن عندها القردة والخنازير ، يسرون الكلام لشدة الخوف أو عدم
القدرة على النطق ، ويستقصرون مدة اللبث في الحياة الدنيوية لسرعة انقضائها وكل من
كان أرجح عقلا منهم كان أشد استقصارا إياها .
تفسير سورة طه من [ آية 105 - 110 ]
* ( ويسألونك عن الجبال ) * أي : وجودات الأبدان * ( فقل ينسفها ربي ) * برياح
الحوادث رميما ورفاتا ثم هباء منثورا ، فيسويها بالأرض لا بقية منها ولا أثر . أو حوادث
الأشياء فقل : ينسفها ربي برياح النفحات الإلهية الناشئة عن معدن الأحدية * ( فيذرها ) *
في القيامة الكبرى * ( قاعا صفصفا ) * وجودا أحديا صرفا * ( لا ترى فيها ) * إثنينية ولا
غيرية ، فتقدح في استوائها .
* ( يومئذ ) * يوم إذ قامت القيامة الكبرى * ( يتبعون الداعي ) * الذي هو الحق ، لا
حراك بهم ولا حياة لهم إلا به * ( لا عوج له ) * أي : لا انحراف عنه ولا زيغ عن سمته
إذ هو آخذ بناصيتهم وهو على صراط مستقيم ، فهم يسيرون بسيرة الحق على مقتضى
تفسير ابن عربي — صفحة 30
مساهمون: ابن عربي
ص٣٠