ولا من المحبين الذين وفقهم الله للإنابة إليه بالسلوك والاجتهاد والسير فيه بالشوق
والافتقار ، فهداهم إليه بنور وجهه وجمال ذاته ، فجذب المحبوبين إليه قبل السلوك
والرياضة بسابقة الاجتباء ، وخص المحبين بعد التوفيق بالسلوك فيه والرياضة بالاصطفاء
وطرد المحجوبين عن بابه وأبعدهم عن جنابه بسابقة كلمة القضاء عليهم بالشقاء .
تفسير سورة الشورى [ الآية 15 - 19 ]
* ( فلذلك ) * التفرق في الدين * ( فادع ) * إلى التوحيد * ( واستقم ) * في التحقق بالله
والتعبد حق العبودية وأنت على التمكين ولا تظهر نفسك بصفة عند إنكارهم واستمالتهم
إياك في موافقتهم * ( ولا تتبع أهواءهم ) * المتفرقة بالتلوين * ( فيضلوك ) * عن التوحيد .
* ( وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب ) * أي : اطلعت على كمالات جميع الأنبياء
وجمعت في علومهم ومقاماتهم وصفاتهم وأخلاقهم ، فكمل توحيدي وصرت حبيبا
لكمال محبتي ، ورسخت في نفسي ، فتمت عدالتي وهذا معنى قوله : * ( وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم ) * هو التثبيت في مقام التوحيد والتحقيق * ( لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) * صورة الاستقامة والتمكين في العدالة * ( لا حجة بيننا وبينكم ) * كمال المحبة
والصفاء لاقتضاء مقام التوحيد النظر إليهم بالسواء * ( الله يجمع بيننا ) * في القيامة الكبرى
والفناء * ( وإليه المصير ) * في العاقبة للجزاء .
* ( والذين يحاجون في الله ) * لاحتجابهم بنفوسهم * ( من بعد ما استجيب له ) *
بالاستسلام والانقياد لدينه وقبول التوحيد بسلامة الفطرة * ( حجتهم داحضة ) * لكونها ناشئة
من عند أنفسهم فلا أصل لها عند الله * ( وعليهم غضب ) * لاستحقاقهم لذلك بظهور
غضبهم * ( ولهم عذاب شديد ) * لحرمانهم .
* ( الله الذي أنزل الكتاب بالحق ) * أي : العلم التوحيدي بالمحبة التي اقتضت
استحقاقه لذلك فكان حقا له * ( والميزان ) * أي : العدل ، وإذا حصل العلم والتوحيد في
الروح والمحبة في القلب والعدل في النفس قرب الفناء في الله ووقوع القيامة الكبرى .
* ( الله لطيف بعباده ) * يلطف بهم في تدبير إيصال كمالاتهم إليه وتهيئة أسبابها
تفسير ابن عربي — صفحة 217
مساهمون: ابن عربي
ص٢١٧