إلى آية 60 ]
* ( لا تقنطوا من رحمة الله ) * فإن القنوط علامة زوال الاستعداد والسقوط عن الفطرة
بالاحتجاب ، وانقطاع الوصلة من الحق والبعد ، إذ لو بقيت فيه مسكة من النور الأصلي
لأدرك أثر رحمته الواسعة السابقة على غضبه بالذات فرجا وصول ذلك الأثر إليه ، وإن
أسرف في الميل إلى الجهة السفلية وفرط في جنب الحضرة الإلهية لاتصاله بعالم النور
بتلك البقية . وإنما اليأس لا يكون إلا مع الاحتجاب الكلي واسوداد الوجه بالإعراض
عن العالم العلوي ، والتغشي بالغطاء الخلقي المادي .
* ( إن الله يغفر الذنوب جميعا ) * بشرط بقاء نور التوحيد في القلب وهو مستفاد من
اختصاص العباد لإفاضتهم إلى نفسه في قوله : * ( يا عبادي ) * [ الزمر ، الآية : 53 ] ، ولهذا قيل :
يغفر جميعها للأمة المحمدية الموحدين دون سائر الأمم ، كما قال نوح عليه
السلام : * ( يغفر لكم من ذنوبكم ) * [ نوح ، الآية : 71 ] أي : بعضها . * ( إنه هو الغفور ) * لهيئات
الرذائل من الإفراط والتفريط * ( الرحيم ) * بإفاضة الفضائل .
* ( وأنيبوا إلى ربكم ) * بالتنصل عن هيئات السوء * ( وأسلموا له ) * وجوهكم بالتجرد
عن ذنوب الأفعال والصفات من قبل انسداد باب المغفرة بوقوع العذاب الذي تستحقونه
بالموت فلا يمكنكم الإنابة والتسليم لفقدان الآلات وانسداد الأبواب * ( يا حسرتا على ما
فرطت ) * بترك السعي في طلب الكمال والتقصير في الطاعة حين كنت في جوار الله ،
قريبا منه ، لصفاء استعدادي وتمكني من السلوك فيه بوجود الآلات البدنية المعدة لي .
* ( ويوم القيامة ) * الكبرى * ( ترى الذين كذبوا على الله ) * من المحجوبين الذين
يسوونه بالمخلوقات ، إذ يجسمونه ويجوزون عليه ما يمتنع عليه من الصفات لاحتجابهم
بالمواد * ( وجوههم مسودة ) * بارتكاب الهيئات الظلمانية ورسوخ الرذائل النفسانية في
ذواتهم * ( أليس في جهنم ) * الطبيعية الهيولانية * ( مثوى للكافرين ) * الذين احتجبوا بصفات
نفوسهم المستولية عليهم .
تفسير سورة الزمر من [ آية 61 - 67 ]
تفسير ابن عربي — صفحة 194
مساهمون: ابن عربي
ص١٩٤