منها الدواعي المهلكة والنوازع المردية الباعثة على الأفعال القبيحة والأعمال السيئة ،
فتلك أصول الشيطنة ومبادئ الشر والمفسدة ، فكانت رؤوس الشياطين . * ( فإنهم لآكلون منها ) * يستمدون منها ، ويغتذون ويتقوون ، فإن الأشرار غذاؤهم من الشرور ولا يلتذون
إلا بها * ( فمالئون منها البطون ) * بالهيئات الفاسقة والصفات المظلمة ، كالممتلئ غضبا
وحقدا وحسدا وقت هيجانها .
* ( ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ) * الأهواء الطبيعية ، والمنى السيئة الرديئة ،
ومحبات الأمور السفلية ، وقصور الشرور الموبقة التي تكسر بعض غلة الأشرار . * ( ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم ) * لغلبة الحرص ، والشره بالشهوة ، والحقد والبغض والطمع
وأمثالها ، واستيلاء دواعيها مع امتناع حصول مباغيها .
تفسير سورة الصافات من [ آية 83 - 101 ]
ويمكن تطبيق قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام على حال الروح الساذج من
الكمال * ( إذ جاء ربه ) * بسابقة معرفة الأزل والوصلة الثابتة في العهد الأول * ( بقلب ) * باق
على الفطرة واستعداد صاف * ( سليم ) * عن النقائص والآفات محافظ على عهد التوحيد
الفطري ، منكر على المحتجبين بالكثرة عن الوحدة ، ناظر في نجوم العلوم العقلية
الاستدلالية والحجج والبراهين النظرية ، مدرك بالاستبصار والاستدلال سقمه من جهة
الأعراض النفسانية والشواغل البدنية الحاجبة ، فأعرض عنه قومه البدنيون المدبرون عن
مقصده ووجهته لإنكاره عليهم في تقيد الأكوان وطاعة الشيطان إلى عيدهم واجتماعهم
على اللذات والشهوات التي يعودون إليها كل وقت * ( فراغ ) * أي : فأقبل مخفيا حاله
عنهم على كسر آلهتهم بفأس التوحيد والذكر الحقيقي يضربهم * ( ضربا ) * بيمين العقل
فرجعوا * ( إليه ) * غالبين مستولين عند ضعفه ، ساعين في تخريب قالبه * ( فألقوه ) * في نار
حرارة الرحم ، فجعلها الله عليه بردا وسلاما ، أي : روحا وسلامة من الآفات لبقاء صفاء
استعداده ونقاء فطرته ، وبنى عليه بنيان الجسد وجعل الله أعداءه من النفس الأمارة
والقوى البدنية الملقية إياه في النار من الأسفلين لتكامل استعداده ، فتوجه إلى ربه
تفسير ابن عربي — صفحة 172
مساهمون: ابن عربي
ص١٧٢