أم ) * أي : أصل * ( الكتاب وأخر متشابهات ) * تحتمل معنيين فصاعداً ويشتبه فيها الحق
والباطل ، وذلك أن الحق تعالى له وجه هو الوجه المطلق الباقي بعد فناء الخلق لا
يحتمل التكثر والتعدد ، وله وجوه متكثرة إضافية متعددة بحسب مرائي المظاهر . وهي
ما يظهر بحسب استعداد كل مظهر فيه من ذلك الوجه الواحد ، يلتبس فيها الحق
بالباطل ، فورد التنزيل كذلك لتنصرف المتشابهات إلى وجوه الاستعدادات فيتعلق كل
بما يناسبه ، ويظهر الابتلاء والامتحان . فأما العارفون المحققون الذين يعرفون الوجه
الباقي في أية صورة وأي شكل كان ، فيعرفون الوجه الحق من الوجوه التي تحتملها
المتشابهات فيردونها إلى المحكمات متمثلين بمثل قول الشاعر :
* وما الوجه إلا واحد غير أنه
* إذا أنت أعددت المزايا تعددا
*
وأما المحجوبون * ( الذين في قلوبهم زيغ ) * عن الحق * ( فيتبعون ما تشابه ) *
لاحتجابهم بالكثرة عن الوحدة . كما أن المحققين يتبعون المحكم ، ويتبعونه المتشابه ،
فيختارون من الوجوه المحتملة ما يناسب دينهم ومذهبهم * ( ابتغاء الفتنة ) * أي : طلب
الضلال والإضلال الذي هم بسبيله * ( وابتغاء تأويله ) * بما يناسب حالهم وطريقتهم .
* إذا اعوج سكين فعوج قرابه
*
فهم كما لا يعرفون الوجه الباقي في الوجوه ، لزم أن لا يعرفوا المعنى الحق من
المعاني ، فيزداد حجابهم ويغلظ ليستحقوا به العذاب * ( وما يعلم تأويله إلا الله
والراسخون في العلم ) * العالمون ، يعلمون بعلمه ، أي : إنما يعلمه الله جميعاً وتفصيلاً
* ( يقولون آمنا به ) * يصدقون علم الله به ، فهم يعلمون بالنور الإيماني * ( كل من عند
ربنا ) * لأن الكل عندهم معنى واحد غير مختلف * ( وما يذكر ) * بذلك العلم الواحد
المفصل في التفاصيل المتشابهة المتكثرة إلا الذين صفت عقولهم بنور الهداية وجردت
عن قشر الهوى والعادة .
* ( ربنا لا تزغ قلوبنا ) * عن التوجه إلى جنابك ، والسعي في طلب لقائك ،
والوقوف ببابك ، بالافتتان بحب الدنيا وغلبة الهوى ، والميل إلى النفس وصفاتها ،
والوقوف مع حظوظها ولذاتها * ( بعد إذ هديتنا ) * بنورك إلى صراطك المستقيم ، والدين
القويم ، وبسبحات وجهك إلى جمالك الكريم * ( وهب لنا من لدنك رحمة ) * رحيمية
تمحو صفاتنا بصفاتك وظلماتنا بأنوارك * ( إنك أنت الوهاب ) * * ( ربنا إنك جامع الناس
ليوم لا ريب فيه ) * أي : يجمعهم ليوم الجمع الذي هو الوصول إلى مقام الوحدة
الجامعة للخلائق أجمعين الأولين والآخرين ، فلا يبقى لهم شك في مشهدهم ذلك
* ( لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً ) * بل هي سبب حجابهم وبعدهم من
تفسير ابن عربي — صفحة 118
مساهمون: ابن عربي
ص١١٨